▪️ ترتكز قصيدة الشاعرة السورية ريم النقري Reem Alnukkari على حوار استجوابي متدرج: سألتها / ماذا…؟ هذا التكرار البنائي لا يمنح النص إيقاعه فقط، بل يشكل سلم الكشف؛ فكل سؤال يفتح طبقة جديدة في ذات المتحدثة، من الأشياء المادية (أحلام، ذكريات، ملابس…) إلى الرموز المجازية (رائحة البحر، النظارة، الشجاعة).. وبهذا تتحول الحقيبة من غرض عادي إلى حاوية وجودية تُختبر عبرها الذات في علاقتها بالماضي والمستقبل والهوية.
▪️ هذه البنية تمنح القصيدة طابعاً سرديا يقارب الدراما الداخلية؛ فكل إجابة هي مشهد، وكل مشهد يوسع فضاء الرحيل، مع الوضع بالاعتبار أن الرحيل هنا ليس انتقالاً جغرافياً، بل اصطفاء لما يجب أن يُحمل في مسيرة الحياة.
إنها ليست حقيبة سفر؛ إنها حقيبة ذات.
▪️ القصيدة غنية بالرموز، وكل عنصر يحمل وظيفة دلالية واضحة: «زجاجة البحر»: رمز لامتداد الوجود خارج السائد، و«النظارة»، لتحسين الرؤية ليس بصرياً فقط، بل إعادة فلترة الماضي لفهم الحاضر، وتجهيز البصيرة للمستقبل، و«الشجاعة في أسفل الحقيبة»، أن توضع في الأسفل يعني أنها الركيزة التي يقوم عليها كل شيء، كما توحي بأن الشجاعة ليست ظاهرة دائماً، بل تنتظر اللحظة الحاسمة لتشتغل.
▪️ تعتني الشاعرة هنا ببناء مفارقة وجودية عميقة:
الفعل المقابل للامتلاء هو الفراغ، لكنها تكشف أن فراغ الحقيبة ليس خواءً، بل خطوة للتحرر:
(واحتفظت بجذور قلبي… في رحلة البحث عن أناي)!
▪️ الذات الثانية اختارت ألا تحمل شيئاً سوى جوهرها، أي أنها في مرحلة بحث جذري عن الهوية، عكس الذات الأولى التي رتبت ما يعرفه ويثبتها.. وبهذا تصنع القصيدة تقابلا بين
ذات محملة بما يطمئنها، وذات محررة مما يقيدها، وكلاهما في رحلة.
▪️ لغة النص عفوية ـ شفافة ـ ذات طابع سردي، تعتمد على:
جمل قصيرة واقعية، وصور شعرية لطيفة غير متكلفة، وتوازن بين البساطة والبعد الرمزي، وخطاب مباشر يمنح القارئ شعور القرب.. كما أن تكرار «وماذا؟»، يخلق إيقاعا يشبه قرعا داخليا، يدفع النص إلى الأمام ويعمق الحس الاستكشافي.
▪️ القصيدة تقدم تجربة أنثوية رقيقة في التعامل مع الذاكرة والرحيل، ووعيا وجوديا يوازن بين الحلم والشجاعة، فضلاً عن رمزية شفافة تصل بسهولة للقارئ دون تعقيد، وبنية درامية تتيح للقارئ الدخول في تطور الذات لحظة بلحظة.
وهي بتماسكها البنائي وقدرة الشاعرة على تحويل الأشياء الصغيرة (نظارة، زجاجة بحر، دفتر أبيض) إلى كائنات دلالية، تمنح النص عمقا أكبر مما يبدو على السطح.
▪️ الخلاصة أن النص ينجح في جعل الحقيبة استعارة للذات، ودمج الحوار بالسرد الشعري، وتقديم رحلة داخلية تقترب من البحث عن الهوية والاتزان الوجداني، وخلق ثنائية (الامتلاء والفراغ) في النهاية لتفتح أسئلة حول معنى ما نختار حمله في حياتنا.. وبالإجمال؛ هي قصيدة تحمل نَفَساً تأمليا، وتكشف قدرة الشاعرة ريم النقري على تحويل الرحيل من حدث إلى طقس معرفي.
💠💠💠💠
إعداد وإشراف:
د.محمود عبد الكريم عزالدين
الدكتور محمود عزالدين
💠💠💠💠
النص الكامل القصيدة
سألتها :
ماذا وضعت في حقيبة الرحيل !
وضعت أحلامي الملونة
في يوم ما ستطير كفراشة نحو أفق جديد
وماذا ؟
ذكرياتي في كل منها حكاية حب وألم حين ألمسها سأشعر بعناق الماضي
وماذا ؟
بين ملابسي المتواضعة
دفتر ابيض يشبهني
لأرسم عليه طرقات نيئة
وماذا بعد !
زجاجة صغيرة فيها رائحة البحر
لتذكرني دوما ، هناك عوالم مفتوحة خارج الواقع
وماذا !
كتيب جميل فيه تأملاتي البسيطة تمدني بنسائم المواجهة مع العواصف المباغتة
وماذا
نظارة
نظارة ؟
لتحسين الرؤية بين الماضي والحاضر وفلترة ماتبقى لمواجهة المستقبل
وماذا ؟
قدح فيه رائحة قهوتنا الشّرقيّة المرّة
كانت لي مصدر إلهام عظيم
في أسفل الحقيبة
لافتة صغيرة كتبت عليها
مكان مخصص للشجاعة
ماذا تقصدين !
قد تأتي لحظة ما
وتضيع بوصلة الحقيبة
فأكون الوعاء الذي يحتويني
دون حقيبة!
وأنت ؟!
أنا !
أفرغتها
واحتفظت بجذور قلبي أغانيه البيض
في رحلة البحث عن أناي!