مقال رئيس التحريرمقالاتمميز

خطورة «قانون كانينجهام».. إفلاس أخلاقي وفكري يحول منصات التواصل إلى ساحات ضجيج لا معرفة !!

بقلم: الدكتور محمود عزالدين 

▪️ لم يولد «قانون كانينجهام»، بوصفه وصفة أخلاقية للتواصل، ولا كمنهج تربوي أو معرفي، بل كملاحظة ساخرة على سلوك البشر في الفضاء الرقمي: الناس أسرع إلى تصحيح الخطأ، من إجابتهم عن سؤال.. غير أن ما بدأ بوصفه توصيفاً ذكياً لطبيعة التفاعل الإنساني، تحول في أيدي كثيرين إلى أداة تحايل رخيصة، بل إلى نمط استعراضي يقوم على تسويق الجهل المصطنع بوصفه دهاءً !!

▪️ في الواقع العملي، لم يعد الخطأ هنا زلة عابرة أو فرضية قابلة للنقاش، بل خطأ متعمد، محسوب، ومغلف بثقة زائفة.. منشورات تُلقى في الفضاء الرقمي، كما تُلقى الطعوم في الماء، لا بحثاً عن الحقيقة، بل استدعاءً للتفاعل، واستدراراً للتعليقات، ورفعاً للأرقام التي باتت عند البعض أقدس من المعرفة نفسها.

▪️ المفارقة أن قانون كانينجهام، في تطبيقاته المنحرفة، خلق بيئة مثالية لتكاثر فئتين متقابلتين ظاهرياً، متحالفتين عملياً:

(1)- صانع الخطأ المتعمد: الذي يدّعي السذاجة بينما يمارس الخداع. (2)- المتحذلق المصحح: الذي لا يصحح بدافع الحقيقة، بل بدافع الاستعراض وإثبات التفوق… كلاهما يتغذى على الآخر؛ الأول يزرع الخطأ، والثاني يحصده استعلاءً. والنتيجة؟ نقاش صاخب، معرفة مشوهة، وجمهور يظن أنه شهد حواراً علمياً، بينما لم يكن سوى مسرحية رقمية.

▪️ الإشكال الأخطر ليس في قانون كانينجهام ذاته، بل في الإسراف في استعماله؛ فحين يصبح الخطأ المتعمد أسلوباً ثابتاً؛ تُهان الحقيقة وتُعامل كوسيلة لا كغاية.. الخطورة هنا

مكافأ التضليل بالتفاعل، حيث يُعاد تشكيل وعي المتلقي على قبول السطحية والالتباس.

– في القضايا العلمية، الثقافية، أو حتى الاجتماعية، يتحول هذا النهج إلى تآكل بطيء للثقة.. المتابع لم يعد يميز: هل هذا خطأ صادق أم طُعم آخر؟ ومع الزمن، يفقد الخطاب الرقمي مصداقيته، وتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات ضجيج لا معرفة.

▪️ يروج بعضهم لهذا الأسلوب باعتباره «ذكاءً في إدارة المحتوى»، بينما هو في حقيقته إعلان إفلاس أخلاقي وفكري؛ فصناعة الجدل عبر الخطأ ليست إبداعاً، بل اعتراف ضمني بالعجز عن تقديم فكرة صحيحة مثيرة بذاتها، والأدهى أن هذا السلوك يُنتج جيلاً من صناع المحتوى الذين يتقنون إثارة الغبار، لا بناء المعنى، ويجيدون جذب الانتباه، لا احترام عقل المتلقي !!

▪️ الخلاصة أن «قانون كانينجهام»، في أصله، مرآة لطبيعة بشرية، يمكن فهمها واستيعابها.. أما في تطبيقه الاحتيالي المفرط، فهو سلاح ذو حد واحد؛ يجرح المعرفة ولا يخدمها، ويُضخم الأصوات لا العقول… صحيح أن الخطأ قد يكون مدخلاً للتعلم، لكن حين يصبح منهجاً مقصوداً، فهو ليس ذكاءً.. بل استهانة جماعية بالحقيقة، يدفع ثمنها الجميع، ولو بعد حين !!

💠💠💠💠

▪️ رؤية وإعداد وإشراف:

د.محمود عبد الكريم عزالدين 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى