أدب وثقافةمقالاتمميز

إبراهيم ناجي .. بين الأسطورة الشعرية والحقيقة الإنسانية!!

بقلم:

محمد ناجي المنشاوي

مضى قرابة سبعين عامًا على وفاة أحد ألمع شعراء جماعة «أبولّو» وصاحب ملحمة «الأطلال»، الشاعر الرومانسي الكبير إبراهيم أحمد ناجي (1898–1953)، الذي عاش عصر الرومانسية العربية ملء السمع والبصر. غير أن حضور ناجي في الوعي الجمعي المصري والعربي يكاد ينحصر في بضعة أبيات منتقاة، معظمها من رائعته الخالدة «الأطلال» التي شدت بها كوكب الشرق أم كلثوم، فسكنت الوجدان العربي، رغم أن القصيدة في أصلها تتألف من 134 بيتًا.

والحق أن «ناجي» لم يكن شاعرًا فحسب، بل كان مبدعًا متعدد المواهب، طوّف بقلمه في مجالات الشعر والقصة والترجمة والدراسات الطبية والنفسية. ولم يصدر عنه في حياته من الشعر سوى ديوانين فقط: «وراء الغمام» عام 1934م، و«ليالي القاهرة» عام 1950م.

وبعد رحيله، جمع أصدقاؤه، وعلى رأسهم أحمد رامي، عددًا من قصائده المفقودة، وطبعوها في ديوان حمل عنوان «الطائر الجريح».

ثم أصدر صديقاه صالح جودت وأحمد رامي، بمعاونة شقيقه محمد ناجي (وكان ضريرًا)، ديوانًا شاملًا مصحوبًا بدراسة نقدية للدكتور أحمد هيكل. ولاحقًا، نشر بعض الناشرين اللبنانيين ديوانًا جمعوا فيه قصائد متفرقة لناجي، اختلط فيها شعره بقصائد لشعراء آخرين، وأطلقوا عليه عنوان «في معبد الليل»، وهو في الأصل عنوان لإحدى قصائد الشاعر كمال نشأت، المعاصر لناجي ورفيق دربه.

وإلى جانب هذا الإنتاج الشعري، قدّم ناجي خلال حياته عددًا من المؤلفات المهمة؛ فأصدر عام 1935م مجلة «حكيم البيت» للإرشادات الطبية، وكتاب «مدينة الأحلام» الذي بث فيه خواطره عن حياته في حي شبرا، مسقط رأسه. كما شارك في تأليف كتاب «توفيق الحكيم الفنان الحائر» بالاشتراك مع الدكتور إسماعيل أحمد أدهم في العام نفسه.

وفي العام 1945م، أصدر كتاب «ليالي فينيسيا» بالاشتراك مع محمد حسني عبد الله، وهو دراسة مطولة عن الكاتب الفرنسي فولتير، إلى جانب كتابه «كيف تفهم الناس؟» الذي قدّم فيه دراسات مبسطة في علم النفس. ثم صدرت مجموعته القصصية «أدركني يا دكتور» عام 1950م، وكتاب «رسالة الحياة» عام 1952م، والذي ضم عددًا من خواطره الإنسانية والفكرية.

كما طرق «ناجي» أبواب الترجمة، فترجم عددًا من القصائد للشعراء الفرنسيين، ومسرحية إيطالية بعنوان «الموت في إجازة»، ومن الأدب الروسي روايتي «الكذبة» و«الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، ورواية «النواقيس» لدايونتريو. وبعد وفاته، صدر له كتاب «أزهار الشر»، وهو دراسة عن الشاعر الفرنسي بودلير، مع ترجمة نثرية لبعض قصائده.

ومن مؤلفاته غير المنشورة: «أهازيج شكسبير»، و«قراءات أحببتها»، و«الحب والجنس»، و«فصول ودراسات في الأدب والاجتماع وعلم النفس». ويكفي هذا المحصول المتنوع من فنون الأدب والعلم ليدحض الوهم الذي حصر هذا المبدع الكبير في قصيدة واحدة أو بضع قصائد.

كما شاع خطأً أن إبراهيم ناجي وُلد في مدينة المنصورة، بينما الحقيقة أنه وُلد في حي شبرا بالقاهرة. أما علاقته بالمنصورة، فتعود إلى انتقاله للعمل بها طبيبًا عام 1927م، حيث التقى بشعرائها المجايلين له، مثل أحمد حسن الزيات، وعلي محمود طه، ومختار الوكيل، ومحمد عبد المعطي الهمشري، وغيرهم، ممن شكّلوا لاحقًا القاعدة الكبرى لتأسيس جماعة «أبولّو».

أما علاقات «ناجي» النسائية، فقد كانت محل جدل واسع بين معاصريه، نساءً ورجالًا، حتى تعذّر الجزم بصحتها على نحو قاطع.. وهو أمر طبيعي لشاعر بحجمه، اختلط فيه الصدق بالكثير من المبالغات، وساعد على ذلك نمط حياته البوهيمية المتحررة، التي لم تنسجم مع تقاليد الحياة الزوجية المستقرة.

وقد عاش «ناجي» حياة شاقة، جمع فيها بين عمله المرهق في عيادته الطبية، ودوره الأدبي النشط، وسهراته الطويلة مع رفاقه، وإقباله على الشراب، في وقت كان يعاني فيه منذ صغره من مرض السل الرئوي وهزال حاد في جسده.

وعند صدور ديوانه الثاني «ليالي القاهرة» عام 1950م، صدّره بإهداء إلى «ع.م»، فذهب البعض إلى أنه يقصد علي محمود طه، غير أن الإشارة بحرفين توحي بالتعمية، تجنبًا للحرج الاجتماعي، خاصة أن ناجي لم يكن ليتردد في ذكر الاسم صراحة لو كان رجلًا.

وقال آخرون إن الحرفين يرمزان إلى حبيبة ناجي الأولى وملهمة حياته، لاسيما أنه كان يهدي معظم قصائده إلى حرف «ز» أو يكتب إلى «زازا»، وهو ما فتح باب الادعاءات على مصراعيه. فقد زعمت بعض الفنانات اللاتي كن يترددن على عيادته، مثل زينب صدقي وأمينة رزق وزوزو ماضي، أنهن المقصودات بـ«زازا»، بل ادعت زوزو ماضي في أحد البرامج التلفزيونية أنها بطلة وملهمة ديوان «ليالي القاهرة».

ورأى آخرون أن «زازا» هي الفنانة زوزو حمدي الحكيم، جارته أثناء عمله بالمنصورة. وذكر صالح جودت أن «زازا» الحقيقية أسرّت له بزواج عرفي جمعها بناجي، فضّلت كتمانه حتى بعد وفاته، وصرّح بأنها الفنانة أمينة رزق. بينما قال الكاتب المسرحي نعمان عاشور إن ناجي كان يقع في الحب كلما التقى بامرأة.

أما الناقد محمد رضوان، فرأى أن لقاء ناجي بـ«زازا» بدأ برسالة منها إليه، وكانت تقيم في بني سويف وتهوى التمثيل، لكن أسرتها اعترضت، فتدخل ناجي وأقنعهم بعملها في الفن، ثم كان لقاؤهما الأول في الإسكندرية. وأضاف أنها كانت تعقد ندوات أدبية أسبوعية في بيتها، ولعبت دورًا مهمًا في حياة ناجي، خاصة في سنواته الأخيرة، إذ خففت من آلام نفسه وأحزان روحه، قبل أن يُفجع بانتهاء هذا الحب في أواخر أيامه.

وشاء القدر أن يسقط إبراهيم ناجي ميتًا في عيادته، وهو يفحص أحد مرضاه، ليطوي الشعر برحيله صفحة شاعر كبير، ويفقد بموته أحد أجمل بلابله في حديقة الشعر العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى