▪️ ثمّة فصيلة بشرية لا تحتاج إلى تعريف، لأنك تراها حيثما وجهت وجهك، وتعرفها من رائحة المواقف الباهتة، ومن ظلالها التي لا تستقر على جدار.. أولئك الذين يمسكون العصا من المنتصف، ويقفون دائما في كل صف .. يتوارون حين تتطلب اللحظة موقفا، ويظهرون فجأة حين تُوزَّع الأنصبة وتُقسم الغنائم، قافزين إلى أعلى نقطة، صارخين بأعلى صوت: «نحن هنا» !!
⛔️ هؤلاء لا يؤمنون ببوصلة أخلاق، بل بترمومتر مصلحة؛ ترتفع حرارته حيث المنفعة، وتنخفض حيث التضحية.. لا يسألون: أين الحق؟ بل: أين الربح؟ ولا يستفهمون: ماذا يجب؟ بل: ماذا يُجدي؟ هم أبناء اللحظة الرخيصة، وأحفاد الفرصة العابرة، لا وطن يسكنهم ولا قيمة تُقيمهم !!
▪️ السؤال: كيف تتقدم الأوطان بأمثال هؤلاء؟ وهم عُبّاد مناصب، عشّاق حظوة، لاهثون وراء نفوذ وسلطة، يبدلون جلودهم أسرع مما تُبدل الريح اتجاهها.. إنهم لا يبنون مؤسسات، بل يسكنونها حتى تُستنزف؛ ولا يخدمون فكرة، بل يستخدمونها سلّمًا.. وحين تُسألهم عن المبادئ، يقدمون لك قاموسا من المرونة الانتهازية، إذ يسمّون التلون «واقعية»، والتخاذل «اتزانا»، والصمت «حكمة وعقلانية».
⛔️ ليس غريباً أن ينطبق عليهم المعنى الفعلي للحديث الشريف: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع»؛ إذ تصير الدنيا (مالا وأعمالا ورياسة وجاها) في يد اللئام، لا لكرامتهم، بل لحقارة شأنها عند الله، حين يقلّ الكرام وتغلب اللئام.. واللُّكَع عند العرب عبدٌ، ثم استُعمل في الحُمق والذم؛ يُقال للرجل لُكَع، وللمرأة لكاع، وهو اللئيم.. وصفٌ لا يحتاج زخرفة، لأن الواقع صار أبلغ من اللغة !!
⛔️ إن خطر هؤلاء لا يكمن في صراخهم، بل في صمتهم؛ وفي وقوفهم على الحافة، يراقبون سقوط المعنى دون أن يمدوا يدا ثم يهرعون لالتقاط الفتات.. هم أول من يوقّع على كل بيان، وآخر من يتحمل أي تبعة.. يرفعون راية الجميع حين يكون الثمن آمنا، ويسدلونها حين يُطلب ثمن الشجاعة.
▪️ أنا شخصيا أتخيلهم لو استيقظوا في قبورهم- (وما أقرب الخيال من الحقيقة في هذه الأيام)- لسارعوا إلى سلب الأكفان، وبيعها في السوق السوداء، ثم تفاخروا بالصفقة.. هكذا تُختصر الحكاية: عقل يحسب كل شيء إلا الكرامة، وقلب لا يعرف سوى جيب مفتوح !!
⛔️ الخلاصة أن كلماتي هذه ليست دعوة إلى قسوة، بل إلى وعي.. فالأوطان لا تُطهَّر بالقهر، بل بفضح الزيف، وبإعادة الاعتبار للقيم، وبكسر سطوة الانتهازية، عبر المحاسبة والشفافية.. حينها فقط ينكمش هؤلاء إلى حجمهم الحقيقي، وتستعيد الأخلاق مكانها الطبيعي في الصدارة.. «أولئك شرُّ مكانًا وأضلُّ سبيلًا»، لأنهم اختاروا طريق الذل والمهانة، ومشوا فيه حتى النهاية.
💠💠💠💠
رؤية بقلم:
د.محمود عبد الكريم عزالدين