أدب وثقافة

نظرية «العامل» في النحو العربي .. جدلية القبول والرفض!!

بقلم: الدكتور محمود عزالدين

▪️ تُعد نظرية العامل من أقدم القضايا النحوية وأكثرها حضوراً في الجدل اللغوي العربي؛ إذ ارتبطت منذ نشأتها بمحاولة تفسير الظواهر الإعرابية وتعليلها. وقد شكلت هذه النظرية العمود الفقري للنحو العربي قروناً طويلة، حتى كاد الإعراب نفسه يُختزل في كونه أثرا للعامل.

▪️ نشأ النحو العربي أساساً لحماية اللسان العربي من الخطأ واللحن، خاصة بعد اعتناق الأعاجم وغير العرب الإسلام، فاستنبط النحاة قواعدهم من القرآن الكريم وكلام العرب الفصحاء.. ومن منطلق عقلية عربية تؤمن بالسببية، لم تؤخذ الأحكام النحوية على أنها مسلَّمات، بل طُرحت أسئلة من قبيل: لماذا يُرفع الفاعل ويُنصب المفعول؟ ومن هنا تبلورت فكرة «العامل» بوصفها المفسر لهذه الأحكام.

▪️ لغوياً تدور مادة «عمل» حول معنى الفعل المقصود المؤدّى بوعي وإتقان، وقد اكتسبت دلالات واسعة في المعاجم والنصوص الدينية.. أما اصطلاحا، فالعامل هو ما يوجب تغيير أواخر الكلمات بالرفع أو النصب أو الجر أو الجزم، داخل التركيب.. غير أن النحاة لم يتفقوا على تعريف جامع له، بسبب اختلاف مدارسهم وتباين مناهجهم بين التنظير والتطبيق.

▪️ يقسم النحاة «العوامل» إلى نوعين:

– عوامل لفظية، وهي المنطوقة الظاهرة في الكلام، كالأفعال، والحروف، وبعض الأسماء، وتُعد الأصل في الإعمال.

– عوامل معنوية، وهي غير ملفوظة، تُدرك بالعقل، كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل المضارع لوقوعه موقع الاسم.

▪️ وقد اختلفت المواقف من هذه القسمة؛ فبينما أقر بها جمهور البصريين، توسع الكوفيون في إثبات عوامل معنوية أخرى، بل ذهب بعضهم إلى القول بترافع المبتدأ والخبر أو رفع الفاعل بالفاعلية ذاتها.

▪️ مع رسوخ نظرية العامل، لم تسلم من النقد؛ فقد شكك بعض القدامى في جدواها، وبلغ النقد ذروته عند ابن مضاء القرطبي الذي دعا إلى إلغائها، واعتبرها سبباً في التعقيد والتكلف.. وفي العصر الحديث، واصل عدد من اللغويين هذا المسار، مثل إبراهيم مصطفى وتمام حسان، فحاولوا إعادة تفسير الإعراب بعيداً عن مفهوم العامل، إما بحصر الحركات في دلالات وظيفية، أو بردّ الظواهر النحوية إلى العرف والاستعمال.

▪️ خلاصة القول: إن «نظرية العامل»، على الرغم من الجدل حولها، تمثل مرحلة مركزية في تاريخ الدرس النحوي، ولا يمكن فهم النحو العربي أو تطويره دون الوقوف عندها، نقداً وتمحيصا، لا هدما ولا تسليماً مطلقاً؛ فهي إطار تفسيري أسهم في ضبط اللغة، وإن ظل مفتوحاً للمراجعة والتجديد.

💠💠💠💠

رئيس التحرير:

د.محمود عبد الكريم عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى