بقلم:
الدكتور محمود عزالدين
تُعدّ «نظرية العامل» في النحو العربي إحدى أكثر البنى النظرية رسوخا وتأثيراً في تاريخ الدرس اللغوي العربي، حتى غدت الإطار المهيمن الذي وجه من خلاله التفكير في اللغة، تركيبا ودلالة وأداءً. غير أن هذه الهيمنة، على الرغم من دورها التاريخي في ضبط العربية وحمايتها، تحولت مع الزمن من أداة تفسيرية إلى سلطة إبستمولوجية عطلت إمكانات الكشف اللساني العميق، ولا سيما في ما يتصل بفهم الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم فهما نظرياً كلياً.
لقد انبنت نظرية العامل على افتراض سببي ميكانيكي مفاده أنّ كل تغيير إعرابي لا بدّ له من «عامل» يُحدثه، سواء أكان لفظيا أم معنوياً.. هذا الافتراض، وإن بدا في ظاهره منهجيا، قاد إلى اختزال الظاهرة اللغوية في بعدها الإعرابي الشكلي، وأقصى النظر إلى اللغة بوصفها نظاماً دلاليا تداوليا متكاملا. وهكذا انصرف جهد النحاة إلى تعقب العوامل، وتكثير التقديرات، وابتداع العلل، بدل مساءلة البنية العميقة للخطاب، أو البحث في العلاقات النصّية، أو دراسة كيفية توليد المعنى في السياق.
في هذا الإطار، لم يكن القرآن الكريم يُدرَس بوصفه نصا يؤسس لنظام لغوي متفرد، بل بوصفه شاهدا يُستَخدم لتوكيد القاعدة النحوية أو استثنائها. فغابت الرؤية النظرية الشاملة للإعجاز اللغوي، وحُلِّل النص القرآني بأدوات وُضعت أصلا لضبط الكلام المألوف، لا لاكتشاف منطق لغوي يتجاوز المألوف.
ومن هنا يمكن القول إنّ هيمنة العامل أسهمت في تحويل الإعجاز من ظاهرة لغوية كليّة إلى مواضع جزئية تُفسَّر غالبًا بالعدول أو الحذف أو التقديم والتأخير، دون بناء نظرية تفسّر لماذا كان هذا العدول مولّدًا للمعنى ومؤسِّسًا للإعجاز.
أما المحاولات التي جاءت لاحقًا لتجاوز هذا المأزق، مثل ما يُسمّى بـ«نظرية الصفر اللغوي» أو غيرها من التصورات الجزئية، فلم تنجح في إحداث قطيعة معرفية حقيقية مع منطق العامل، بل بقيت تدور في فلكه، إمّا بنفي العامل صوريًا مع الإبقاء على نتائجه، أو باستبداله بمفاهيم لا تقلّ تجريدًا وانفصالًا عن الواقع التداولي للنص. فهي محاولات تشخيص جزئي للأزمة، لا مشروعًا نظريًا متكاملًا يعيد بناء الدرس اللغوي على أسس نصّية، تداولية، ووظيفية.
إنّ النقد الجذري لهيمنة نظرية العامل لا يعني إنكار قيمتها التاريخية، بل يستلزم وعيا بأنّ استمرارها بوصفها الإطار الوحيد للتفكير اللغوي حال دون نشوء لسانيات عربية قادرة على استيعاب النص القرآني في كليّته، والكشف عن إعجازه بوصفه نظامًا لغويًا دلاليًا مركّبًا. ولا سبيل إلى تجاوز هذا التعطيل إلا بالانتقال من نحو يبحث عن «ما الذي عمل؟» إلى نظرية لغوية تسأل: «كيف تولّد المعنى؟ ولماذا اختير هذا التركيب دون غيره؟»—وهي أسئلة لا يمكن لنحو العامل، في صورته التقليدية، أن يجيب عنها.
💠💠💠💠
بقلم:
د.محمود عبد الكريم عزالدين