بقلم: الدكتور محمود عزالدين
🔳 في النحو العربي، لا يُعد تصنيف الفعل ترفاً لغوياً، بل هو كشف دقيق لطبيعة الحركة في العالم؛ هل تظل الحركة حبيسة صاحبها، أم تتجاوزه لتُحدث أثراً؟ وعلى هذا الميزان اللغوي الصارم، يمكن إسقاط مقاربة أخلاقية واجتماعية لاذعة على البشر أنفسهم؛ فليس كل من تحرك فاعلاً، وليس كل فاعل نافعاً.
🔳 الإنسان غير النافع يشبه «الفعل اللازم» تماما: يتحرك، نعم، لكن حركته مكتفية بذاتها.. يعيش، يعمل، يتكلم، يغضب، يفرح، يمرض، يشفى… كل ذلك يدور في فلكه الضيق، لا يتخطاه إلى غيره.. هو «ذهبَ»، لكنه لم يُوصِل أحدا.. هو «نامَ»، لكنه لم يُوقظ ضميراً، ولم يطرح قضية.. وجوده صحيح نحوياً، سليم إعرابياً، لكنه فقير دلالياً.. جملة تامة من حيث الشكل، خاوية من حيث الأثر !!
🔳 أما الإنسان الطموح والمصلح، فهو «الفعل المتعدي» بامتياز؛ لا يكتفي بأن يكون فاعلاً، بل يبحث عن من يقع عليه فعله: فكرة يغيرها، إنساناً ينهض به، واقعاً يكتبه من جديد.. هو لا «يعرف» فقط، بل «يعلّم».. لا «يفهم»، بل «يُفهم».. لا «يتألم» في صمت، بل «يداوي».. حياته لا تكتمل إلا بمفعول به، لأن المعنى لا يكتمل إلا بالأثر.
🔳 المشكلة أن عالمنا مزدحم بالأفعال اللازمة البشرية، أولئك الذين يتقنون تبرير اكتفائهم بأنفسهم.. يقولون لك: «أنا لم أؤذِ أحدا»، وكأن عدم الأذى فضيلة مكتملة، لا الحد الأدنى من الأخلاق.. يتباهون بأنهم «في حالهم»، وكأن الحياد في زمن الخراب موقف، وكأن السلامة الشخصية إنجاز.. هؤلاء لا يكسرون قاعدة لغوية، لكنهم يكسرون قاعدة الحياة؛ فالوجود بلا أثر نوع من الغياب !!
🔳 في المقابل، الفعل المتعدي الإنساني مكلف، متعب، محفوف بالمسؤولية.. أن تؤثر يعني أن تُساءل، أن تُخطئ، أن تُخاصَم، لذلك يهرب كثيرون إلى «اللزوم»، لأن اللزوم أريح، وأأمن، وأقل كلفة.. لكن اللغة نفسها تفضح هذا الهروب؛ فالفعل اللازم محكوم بسقف واحد، أما المتعدي فمفتوح على احتمالات، على تغيير، على صراع، على معنى.
🔳 ولعل أخطر ما في «الإنسان اللازم» أنه يشيع «عدوى اللزوم»: مجتمع كامل يتحرك، يتكلم، يستهلك، دون أن يتعدى إلى إصلاح أو بناء.. جمل طويلة من الأفعال، بلا مفاعيل، بلا نتائج، بلا تاريخ يُكتب.. عندها تصبح الحياة نصا مكررا، محفوظا، لا جديد فيه سوى علامات الترقيم.
🔳 في النهاية، لا تسأل اللغة عن نيات الفعل، بل عن أثره.. وكذلك التاريخ.. فمن اكتفى بنفسه، عاش «لازماً» ومات «لازماً»، لا يحتاجه سياق ولا يفتقده نص.. أما من «تعدى»، فقد غامر، لكنه ترك أثراً، وأثبت أن الإنسان، مثل الفعل، لا تقاس قيمته بصحته الشكلية، بل بقدرته على أن يُحدث فرقا.. والخلاصة أن «الفعل»؛ إما أن يكون حركة في الفراغ، أو معنى يصيب العالم.
💠💠💠💠
🔳 رؤية قلمية وفلسفية:
د.محمود عبد الكريم عزالدين