– قراءة تحليلية في قصيدة للشاعرة التونسية سميرة الزغدودي
بقلم:
د. محمود عبد الكريم عزالدين
تقدم الشاعرة التونسية سميرة الزغدودي في هذه القصيدة تجربة وجدانية مشتعلة، تتجاوز حدود الغزل التقليدي إلى بناء عالم شعوري كامل، يمتزج فيه الحب بالقداسة، والأنثى بالكون، والعاطفة بالاحتراق الداخلي. فالنص لا يكتفي بوصف حالة عشق، بل يؤسس لفلسفة وجدانية ترى الحب قوة كونية قادرة على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل.
💠💠💠💠
إعداد وإشراف:
د.محمود عبد الكريم عزالدين
💠💠💠💠
منذ المطلع، تختار الشاعرة صورة النار لتكون المدخل الرمزي للنص:
جمرٌ هو العشق في الشريانِ يتّقدُ
ويكتوي بلهيبِ اللّهفةِ الجسدُ …
وهنا يتحول العشق إلى طاقة متدفقة في الدم، لا إلى شعور عابر. إنه احتراق داخلي دائم، تتحد فيه الروح بالجسد، ويتحول فيه الحنين إلى جمرٍ حيّ يسري في الشرايين. وهذه الصورة تمنح القصيدة حرارة شعورية عالية، وتجعل القارئ داخل مناخ بركاني متصاعد.
– تبلغ القصيدة ذروة جمالها حين ترسم صورة الأنثى العاشقة بوصفها كائنا مقدساً للحب، لا مجرد طرف في علاقة عاطفية. فالأنثى هنا تمنح، وتحتوي، وتصلي، وتفيض بالمحبة:
أنثى تصلِّي لأهلِ العشقِ أحرُفُها
والعاشقون بمحرابِ الهوىٰ سجدوا …
– في هذا البيت ترتقي اللغة من مستوى العاطفة إلى مستوى الطقس الروحي؛ فالحب يتحول إلى محراب، والعاشقون إلى متعبدين، بينما تصبح الحروف صلاة خالصة. وهذا البعد الصوفي منح النص بعداً روحياً يتجاوز المباشرة الغزلية المعتادة.
– كما نجحت الشاعرة في بناء صورة أنثوية متكاملة، قائمة على العطاء والرهافة والوفاء، دون أن تفقد قوة الحضور. فالأنثى ليست ضعيفة أو منكسرة، بل هي مصدر الضوء والدفء والحياة:
اذكرْ أنوثتَها وَجهُ الرّبيعُ غزا
خريفَ يومِكَ فيهِ الحُسنُ ينفردُ
وهنا تظهر قدرة الشاعرة على توظيف التضاد بين «الربيع» و«الخريف» لإبراز أثر المرأة في إنقاذ الروح من الذبول، وكأن الحب فعل بعث جديد للإنسان.
– اللافت أيضاً في النص كثافة الحقول الدلالية المرتبطة بالنار والبركان والجمر والخفق، وهي مفردات تؤكد أن الحب عند الشاعرة ليس سكوناً، بل انفجار دائم للحياة:
هو الشّعورُ … هو البركانُ مستعرٌ
وألفُ جمرٍ وجمرٍ فيكَ يَتَّقِدُ …
فالبركان هنا ليس رمزاً للدمار، بل رمز للطاقة العاطفية القصوى، وللشوق الذي لا يخمد. وهذه الاستعارات المتكررة منحت القصيدة وحدة شعورية متماسكة، رغم امتدادها النصي.
– على المستوى اللغوي، تتسم القصيدة بعذوبة واضحة، واعتماد مكثف على الموسيقى الداخلية والتكرار الإيقاعي، خاصة في تكرار كلمة «أنثى» و«البركان» و«الجمر»، ما يعزز النبرة الوجدانية ويمنح النص إيقاعاً إنشادياً قريباً من البوح الصوفي.
– أما على مستوى الرؤية، فإن القصيدة تنحاز للحب الصادق بوصفه خلاصاً روحياً وإنسانياً، وترى في الوفاء العاطفي قيمة وجودية عليا. ولذلك تختم الشاعرة Samira Zaghdoudi نصها بإعلان واضح أن الحب الحقيقي لا يكتمل إلا بالفعل والوفاء والقدرة على تحقيق السعادة للطرف الآخر:
ما الحُبُّ إِنْ لم أحقّقْ ما يُسَرُّ بِهِ
متيّمي وأَفِيهِ حينما أعِدُ …
وهي خاتمة تمنح النص بعداً أخلاقياً وإنسانياً، ليصبح الحب مسؤولية وصدقاً والتزاماً، لا مجرد انفعال عابر.
– في المجمل، تكشف قصيدة «وهو الذي كان يظن» عن صوت شعري يمتلك حساً عاطفياً مرهفاً، وقدرة على تحويل التجربة الوجدانية إلى صور نابضة بالحياة والاشتعال. إنها قصيدة تحتفي بالأنثى العاشقة بوصفها وطناً للدفء، ومحراباً للوفاء، وبركاناً من الشغف النبيل.
🔳 🔳 🔳
القصيدة كاملة
«وهو الذي كان يظن»
للشاعرة سميرة الزغدودي
جمرٌ هو العشق في الشريانِ يتّقدُ
ويكتوي بلهيبِ اللّهفةِ الجسدُ …
يا رقّةَ امرأةٍ أهدتكَ جنَّتَها
وحُزتَ فيها الّذي ما حازَهُ أحدُ …
أنثىٰ تُعطّرها أزهىٰ حدائقِها
وبالبنفسجِ هذا الحِبُّ ينفرِدُ…
أنثى تصلِّي لأهلٍ العشقِ أحرُفُها
والعاشقون بمحرابِ الهوىٰ سَجَدوا …
أنثىٰ يقدِّسُ سرَّ الشّوقِ خافقُها
وفي الفؤادِ يَفُوحُ الشّوقُ والمددُ …
أنثاكَ يا رجلًا ترعىٰ أنوثتَها
تروِي صَدَى الحُبّ حتَّىٰ يزهرَ الخلدُ
كلُّ الحياةِ وكلُّ الكونِ أنتَ لها
وكلُّ نبضٍ لها من نبضكَ البَلدُ
لأنّ حبّكَ يسري في عروقِ دمي
يحتلُّني ثُمَّ بالأعماقِ يحتشِدُ
هو الشّعورُ … هو البركانُ مستعرٌ
وألفُ جمرٍ وجمرٍ فيكَ يَتَّقِدُ …
لأنتَ وحدكَ من تجتازُ أوردتي
دماؤها في دمي بالقلبِ تتّحدُ
أجيجُ فُوَّهَةِ البركانِ مستعرٌ
وألفُ خفقٍ لِطهرِ الصّبرِ يفتقدُ
حرُّ الشّعورِ هو البركانُ مستعرٌ
في صدرهِ النّارُ والآهاتُ ترتعدُ
سَعِّرْ مشاعرَ أنثىٰ شمسُها سطعتْ
في بردِ لَيلِكَ تُهدِيها إليكَ يدُ
لَا تنسَ لمسةَ أُنثىٰ شمسُها سطعتْ
من دِفْءِ ناصيةِ الإحساسِ تَنعقدُ
اذكرْ أنوثتَها وَجهُ الرّبيعُ غزا
خريفَ يومِكَ فِيهِ الحُسنُ يَنفردُ
للحُبِّ أصدقُ ما باحتْ به لُغتي
أسقيهِ من كوثرِ المعنىٰ بما يَرِدُ
ما الحُبُّ إِنْ لم أحقّقْ ما يُسَرُّ بِهِ
متيّمي وأَفِيهِ حينما أعِدُ …