بقلم:
الدكتور محمود عزالدين
▪️ لم تعد اللغة العربية تُستباح في منشورات عابرة على منصات التواصل، أو في حوارات الشارع فقط؛ بل امتد العبث بها إلى البيانات الحكومية الرسمية، وإلى شاشات القنوات التليفزيونية، التي يُفترض أنها تحمل لواء المهنية، وتصون الذوق العام.. صرنا أمام حالة اغتيال منهجي للغة، لا يقف وراءها جهل فردي، بل منظومة كاملة تستهين بأبسط قواعد الكتابة والتعبير !!
▪️ أمر مخجل (من وجهة نظري)، أن يصدر بيان رسمي- ممهور بشعار الدولة وموجَّه للملايين- ويحمل أخطاء إملائية فادحة، وتركيباً لغوياً مختلاً، فإن الأمر لا يعد مجرد «هفوة»، بل يتحول إلى عار مؤسسي.
▪️ بيانات الهيئة الوطنية للانتخابات مثال صارخ.. نصٌّ يفترض أن يكون مرجعاً ودليلاً، فإذا به يخرج مشوهاً، متعثراً لغوياً، خالياً من الحد الأدنى من التدقيق.. والسؤال بصفة عامة: كيف يمكن لمؤسسة تُعنى بالشأن العام أن تغض الطرف عن أبجديات الكتابة؟ أليس من المفترض أن تمر هذه النصوص بمستويات من الفحص؟ أم أن اللغة باتت آخر ما يُلتفت إليه؟
▪️ القنوات التليفزيونية (الرسمية والخاصة) تخوض أيضاً في سباقات عجيبة: أيّها يقدم أكبر عدد من الأخطاء النحوية خلال النشرة الواحدة؟ أيّها يعرض على شاشته شريطاً خبرياً لا علاقة له بعلم الإملاء؟ وأيّها يخلط بين الفاعل والمفعول، وبين همزات القطع والوصل بلا حياء، ناهيك عن رفع أو نصب المجرور، و جر أو نصب المرفوع ؟
▪️ شيء عجيب وغريب؛ أنه بدلاً من أن تكون الشاشة نافذة للمعرفة والإتقان، تغدو مصنعاً لإعادة تدوير الأخطاء وتعميمها.. والمذيع الذي يُفترض أن يكون «حارس اللغة»، بات أقرب إلى منفّذ أحكام الإعدام فيها، يقرأ من دون مراجعة، ويجتهد بغير علم، ويكرر الأخطاء حتى تتحول إلى قاعدة عند المتلقي.
▪️ المؤسف أن هذه الفوضى لا تُعدّ مجرد «أخطاء لغوية»،
بل تعبير صارخ عن انهيار في معايير المهنة، ما يؤشر على ما يلي:
– غياب وحدات التدقيق اللغوي.
– استسهال إنتاج المحتوى.
– انعدام التدريب المستمر.
– غياب الإحساس بالمسؤولية تجاه الجمهور.
▪️ متابعينا الكرام؛ غني عن البيان أن اللغة ليست زينة نصوص، ولا زخرف نشرات، وإنما هوية وذاكرة، ورمز للانضباط المهني، وحين تنهار اللغة، ينهار معها الإحساس بالقيمة.. وأنا في هذا المقام أتساءل: ما جدوى كاميرات حديثة واستوديوهات بملايين الجنيهات، إذا كانت الجملة التي تمر عبرها مكسرة، مبتورة، معاقة؟
▪️ خلاصة القول إن «اغتيال العربية» ليس قدراً، لكنه نتيجة إهمال طويل.. وبحسب المختصين فإن العلاج من الممكن أن يبدأ من:
– عودة وحدات التدقيق اللغوي إلى المؤسسات الحكومية والإعلامية.
– وضع معايير صارمة للغة في البيانات الرسمية.
– تدريب المذيعين والصحفيين والناطقين الرسميين.
– اعتبار اللغة معياراً من معايير الكفاءة المهنية لا خياراً ثانوياً.
▪️ حتى ذلك الحين؛ ستظل اللغة العربية تتلقى الطعنات من مؤسسات، يفترض أنها تحميها، بينما تقف شريحة راقية من المشاهدين الغيورين على لغتهم مذهولين أمام هذا العبث الفاضح الذي يندى له الجبين !!
💠💠💠💠
▪️ بقلم:
د.محمود عبد الكريم عزالدين