فنونمميز

لوحة وفنان.. حين يتعلم الطفل الألم قبل الكلام!! 

رؤية تحليلية بقلم:

الدكتور محمود عزالدين 

▪️ في هذه اللوحة، لا يرسم ألبرت روزنبوم مشهداً طفوليا بريئا كما يبدو للوهلة الأولى، بل يلتقط لحظة نفسية دقيقة، لحظة انتقال خفي من الطفولة الغافلة إلى وعي الألم.. الطفل الجالس، منكسر الجسد، متكئ برأسه على يده، يبدو غارقاً في حزن أكبر من عمره، حزن لا نعرف سببه، لكنه واضح في استسلامه الصامت.

▪️ أما الطفلة الواقفة إلى جواره، فتقف في مساحة فاصلة بين التعاطف والعجز؛ تلمس كتفه بيد خفيفة، وكأنها تحاول مواساته، من دون أن تفهم تماماً طبيعة ما يؤلمه !!

▪️ القوة الحقيقية في اللوحة ليست في «الحدث»، بل في «الغياب»: غياب البالغين، غياب التفسير، غياب الحل.. الأطفال هنا وحدهم أمام تجربة شعورية مبكرة، يتعلمون فيها أن الحزن لا يحتاج إلى لغة، وأن المواساة قد تكون مجرد وجود صامت.

▪️ اختيار «روزنبوم» الألوان الترابية الدافئة المائلة إلى «الكتمة»، يعمق الإحساس بالثقل النفسي، بينما الخلفية المرسومة بإهمال نسبي، توحي بأن العالم الخارجي غير معني بما يحدث في هذه الزاوية الصغيرة من الروح.. واللعبة في يد الطفلة (المضرب) ترمز إلى الطفولة النشطة التي توقفت فجأة أمام مشهد الانكسار، وكأن اللعب نفسه فقد معناه في حضرة الحزن.

▪️ الطفل لا يبكي، والطفلة لا تتكلم، وهنا تكمن عبقرية اللوحة: الألم الأول لا يكون صاخبا بل داخليا، خجولا، مرتبكا.. «روزنبوم»، الذي رحل شابا، يرسم وكأنه كان واعيا بقصر العمر، وبأن أكثر لحظاته صدقا هي تلك التي لا نفهمها تماماً.

▪️ إنها لوحة عن التعاطف البدائي، عن أول تماس بين البراءة والخذلان، وعن الطفولة حين تكتشف، دون إنذار، أن العالم لا يكون دائماً لطيفاً .. لوحة لا تشرح، بل تتركنا في مواجهة سؤال إنساني مفتوح: متى بدأنا نشعر بالألم.. دون أن نعرف لماذا ؟؟

💠💠💠💠

رئيس التحرير:

د.محمود عبد الكريم عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى