فنونمميز

عمي جلال حزين الفيومي .. نحات على الرصيف!!

بقلم: الدكتور محمود عزالدين 

🔳 ليست مأساة الفنان التشكيلي والنحات التلقائي/ جلال حزين الفيومي حكاية فنان فقير فقط، بل «فضيحة ثقافية» كاملة الأركان.. «فضيحة» لجهات معنية، ترى الإبداع حين يلبس بدلة رسمية فقط.. وتعترف بالفن إذا خرج مختوماً بأختام أكاديميات وجامعات وهيئات حكومية، وتخاف من الموهبة الحرة لأنها لا تخضع للبيروقراطية ولا تطلب إذناً كي تُدهش.

🔳 هذا الرجل، الذي نحت بأظافره ما عجزت عنه أيادٍ مدعومة بالمراسم والميزانيات، لم يكن طالباً لمنصب ولا ساعياً وراء شهرة.. كان يفعل ما يفعله الفن الحقيقي دائما؛ يولد من الأرض، من الحجر، من الخشب، من «الزلط»، من العدم.. كان جلال الفيومي مثالاً حياً على أن العبقرية لا تحتاج شهادة، وأن الفن لا تنتجه المكاتب المكيفة، بل في العراء، بين العرق والجوع والصبر !!

🔳 «عمي جلال الفيومي»، نحت من كل خامة: حجر، رخام، بازلت، زلط، خشب، حديد، برونز، بوليستر، ألباستر… كأن الخامة نفسها كانت تستسلم له.. وبلغت براعته حدّ أن بعض منحوتاته كادت تزج به في السجن، لا لأنه سرق، بل لأنه أتقن.. لأن تماثيله تشبه آثار مصر القديمة، إلى درجة أخافت الجهل أكثر من ما أبهرت الذائقة.. وهكذا تُعاقَب الموهبة، وتُقبر بذور وثمار الإبداع.

🔳 بدل أن يُكرَّم عمي جلال، تخلى الجميع عنه … وبدل أن يُدعَم، أُهمِل.. وبدل أن تحتضنه وزارة الثقافة، تُرك فريسة للفقر والجوع، حتى لم يجد أمامه سوى جسده نفسه وسيلة احتجاج، فدخل في «إضراب عن الطعام»، أمام نقابة الفنانين التشكيليين المصريين، لا طلباً للشفقة، بل بحثاً عن حقه الطبيعي: أن يعيش ليُبدع.

🔳 أي مفارقة هذه؟

رجل يعطي الفن كل شيء، فترد له الدولة العدم.. نحات يرفع اسم مصر بحجر، فتخفضه المؤسسات بصمتها.. أحد الفنانين التشكيليين لم يبالغ حين وصفه بالأسطورة، ولا حين قال إنه كسر قواعد السن، وتفوق على كثير من الأكاديميين.. هذه ليست مجاملة زملاء، بل شهادة عصر.

🔳 «جلال الفيومي»، ليس «حالة إنسانية»، كما تحب البيانات الباردة أن تقول، بل قيمة فنية مهدرة، وجرس إنذار مدوٍّ: أن بعض الوزارات والمؤسسات لا تزال لا تعرف كيف تتعامل مع كنوزها الحية.

🔳 المؤلم أن أدواته بدائية، لكن إرادته متقدمة.. والمخزي أن موهبته عالمية، لكن مصيره محلي بائس.. والأكثر إيلاماً أن نحاتاً بهذا الحجم يضطر أن يضرب عن الطعام، ليحظى بلقاء وزير، أو يسمع صوته رئيس حكومة.. معالي الدكتور مصطفى مدبولي؛ إن تكريم جلال الفيومي ليس منحة، بل واجب، ودعمه ليس صدقة، بل استثمار في روح هذا البلد، وتركه يموت جوعاً جريمة ثقافية لا يغسلها أي مهرجان، ولا يعوضها أي خطاب رسمي.

🔳 السيد الأستاذ الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة: إن جلال الفيومي ليس فرداً، بل سؤالاً كبيراً :

كم عبقرياً آخر ينحت في الظل؟ وكم موهبة أخرى تنتظر أن تموت على الرصيف، كي نكتب عنها مقال رثاء؟

والخلاصة؛ إن لم تتحرك الدولة الآن، فلن تكون الخسارة في جلال الفيومي وحده، بل في ما تبقى من معنى لكلمة «ثقافة» !!

💠💠💠💠

🔳 رؤية تحليلية بقلم:

د. محمود عبد الكريم عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى