مقال رئيس التحريرمقالات

مظهر أنيق .. وخطاب فارغ !!

عندما يصبح الزيف صناعة والتفاهة مهنة و سلطة!!

بقلم: الدكتور محمود عزالدين

🔳 يقال إن رجلاً جميل المنظر والهندام، وقف أمام الفيلسوف «سقراط» يتباهى بلباسه، ويفاخر بمنظره، فقال له سقراط عباراته الشهيرة: (تكلم حتى أراك).. والواقع أن مقولة «تكلّم حتى أراك» لم تكن مجرد جملة عابرة قيلت في لحظة طرافة فلسفية، بل هي صفعة فكرية، وامتحان أخلاقي للإنسان في كل زمان.. ففي مواجهة امرأة متفجرة الأنوثة أو رجل أنيق المظهر، يجب ألا ننبهر بالقشرة، أو ننخدع باللمعان الخارجي، وإنما نركز على الجوهر: الكلام، بوصفه مرآة العقل، ولسان القيم، وكاشف الفراغ أو الامتلاء.

🔳 دلالة المقولة تكمن في نزع القداسة عن المظهر؛ فالجمال الخارجي- مهما بلغ من الإتقان- لا يعدو أن يكون غلافاً قد يخفي خواءً فكرياً أو فقراً أخلاقياً.. وقد أعاد «سقراط»، بذلك الطلب البسيط، ترتيب سلم القيم: العقل قبل الثوب، والفكرة قبل الزينة، والمعنى قبل الصورة.. الكلام هنا ليس «ثرثرة»، بل «موقف»، ولافتة انتماء، وإعلان هوية فكرية.

🔳 الدلالة الثانية تتمثل في فضح الادعاء؛ فالمتفاخر بمظهره غالباً ما يعوض نقصاً آخر.. وحين يطلب «سقراط» من الرجل أن يتكلم، فإنه يدعوه إلى منطقة الخطر؛ منطقة الامتحان الحقيقي، حيث لا ينفع القناع، ولا تحمي الأقمشة الفاخرة من «العري الفكري».. فالكلام يكشف مستوى الوعي، وعمق الفهم، وقدرة الإنسان على التفكير النقدي، لا على الاستعراض !!

🔳 وعند إسقاط هذه المقولة على الواقع المعاصر، تبدو أكثر قسوة وحدّة.. نحن نعيش في زمن الصورة الطاغية، حيث يُقاس الإنسان بعدد المتابعين، وأناقة الحسابات، وبريق الواجهات الرقمية.. عالم امتلأ بـ«المؤثرين»، الذين يتقنون الوقوف أمام الكاميرا، لكنهم يعجزون عن الوقوف أمام سؤال.

🔳 يتباهون بالشكل، يراكمون الإعجابات، لكنهم حين «يتكلمون» ينكشفون ويسقطون في فقر اللغة، وسطحية الفكرة، ورداءة المعنى.. في السياسة، في الإعلام، في الثقافة، وحتى في النخب المزعومة، نرى رجالاً ونساءً يلمعون من حيث المظهر، يتقنون لغة الجسد، لكن خطابهم فارغ، مكرر، بلا رؤية ولا مسؤولية.. و هنا تتحول مقولة «سقراط» إلى محكمة أخلاقية: تكلم.. لنرى هل أنت صاحب فكرة أم مجرد واجهة؟ هل تحمل مشروعاً أم مجرد بدلة؟

🔳 إن لذع هذه المقولة اليوم أشد إيلاماً من ما كان في زمن «سقراط»؛ لأن الزيف أصبح صناعة، والتفاهة مهنة، والمظهر سلطة.. ومع ذلك، تبقى كلمات الفيلسوف سلاحاً بسيطاً وفعالا في آن: لا تنخدع بما ترى، اطلب الكلام، دقق في الفكرة، وامتحن الإنسان بما يقول لا بما يلبس.

🔳 في النهاية، «تكلّم حتى أراك» ليست دعوة للكلام، بل دعوة للمساءلة.. إنها تذكير قاسٍ بأن الحقيقة لا تسكن في المرايا، بل في العقول، وأن من لا يملك ما يقوله، مهما حسُن مظهره، يظل غير مرئي !!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى