أدب وثقافة

كتاب: “الاغتراب والحداثة في النقد الثقافي العربي” للكاتب الصحفى د. حسن محمد شافعى

عرض- سمير شحاتة

يحمل مفهوم الاغتراب كما طرحه مؤلف الكتاب عدة دلالات فلسفية اجتماعية ونفسية، تختلف باختلاف تطور المجتمعات، وما تولده من أزمات تعبر عن اغتراب الإنسان بداخلها ،كما أن الاغتراب يحمل دلالة فردية تعود للمكون العقائدي للإنسان وتشكله النفسي، فإلى أي حد يمكن القول أن الإنسان بطبيعته كائن مغترب ليس عن عالمه، بل عن  ذاته، وهل هذا الاغتراب يقــع في دائــــرة الوعــي أم مفارق له، بحيث يعشه الإنسان ولا يدركه إلا القليل من الأشخاص الذي يرتفع بهم الوعي إلى مستويات معينة. وهل يمكن اعتبار الأديان والفلسفات الكبرى هي محاولات لمعالجة الاغتراب لدى  الإنسان، مع الاعتراف بأن بعضها ساهم في زيادة هذا الاغتراب .

في هذا السياق يتناول كتاب الاغتراب والحداثة في النقد الثقافي العربي للدكتور حسن محمد شافعي ، الصادر عن المكتبة الأزهرية للتراث ، ويُطرح مفهوم  الاغتراب في الخطابات الفلسفية والدارسات الاجتماعية والنفسية على مستويات من العزلة والغربة والابتعاد عن الذات والمجتمع، فهو يبدو كحالة مرضية تعبر عن تصدع في العلاقة سواء بين الإنسان وذاته، أو مع واقعيه الاجتماعي. 

وقد تبلور الاغتراب في البداية كأحد المفاهيم الدينية، وتمثل ذلك في الكتابات الدينية لمارتن لوثر وكالفن, ثم انتقل إلى ميادين المعرفة الإنسانية الأخرى. فقد اعتبر الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر أن الاغتراب تعبير عن غياب الإيمان بالمقدّس في حياة الإنسان، حيث وصف حالة الغرابة بأنها “ذلك الحيّز المكاني الفارغ أو الخاوي الناتج عن فقدان الإيمان بالثورة المقدّسة”. فالإنسان العاجز عن الإيمان يُترك غريبًا في الفراغ والعدم

كما مثل التنوير فلسفة للاغتراب عن طريقة التفكير التي كانت سائدة قبله في العصور الوسطى، حيث انتقلت دائرة اهتمام الفكر من الجماعة الدينية إلى الفرد، من اللاهوت إلى الناسوت، ومن عقيدة الخطيئة إلى فلسفة التحرر، وهو ما أحدث انقلابًا في الوعي العام أنتج إنسانًا جديدًا يغترب بذاته عن الحقب السابقة.

وقد ارتبط  مفهوم الاغتراب بالمسار الفكري للحداثة الغربية، التي تعيش  حالة من التعثر على المستوى الإنساني، والذي بدا بالشعور المتولد بالاغتراب عن مشروعها وقيمها، والذي أنتج صورا من المعاناة والقلــق والتشاؤم، وقد عبرت فلسفة ما بعد الحداثة عن هذا الاغتراب الذاتي تجاه مشروع الحداثة. ولعل أبرز مظاهر الاغتراب للحداثة الغربية ما أسماه زيجموند باومان “الخوف السائل ” الذي يأتي في أفظع صوره عندما يكون مشتتًا وغامضًا، وعندما يستحوذ علينا من دون سبب معقول، ورأى تجربة العيش في أوروبا في القرن السادس عشــر الذي شهــد اقــتراب ميلاد العصر الحديث تلخصها عبارة بليغة شهيرة هــي «الخوف دائم في كل مكان».

فالاغتراب الحداثي نتج عن هيمنة منتجات الحداثة على إرادة الفرد وحياته النفسية، ويحدث هذا عندما يصبح الشيء الذي ينتجه الإنسان غريبًا عنه، لذلك فقد عرف هيجل الاغتراب بأنه حالة اللاقدرة، أو العجز التي يعانيها الإنسان عندما يفقد سيطرته على منتجاته وممتلكاته، فتوظف لصالح غيره بدل أن يسطو هو عليها لصالحه الخاص.

ويتناسب هذا التصور للاغتراب مع تعريف الفيلسوف الألماني إريك فروم بقوله: “المقصود بالاغتراب نمط من التجربة، يعيش فيها الإنسان نفسه كغريب، فتبدو أولى مراحل الاغتراب هي اغترب الإنسان عن نفســه وذاتــه، والذي يعرف بالاغتراب النفسي، ففي الاغتراب النفسي ينتقل الصراع بين الذات والموضوع من الواقع الخارجي إلى الواقع الداخلي “داخل النفس البشرية”. ويتعلق الاغتراب بالذات الجوهرية للإنسان، حينما يريد الفرد أن يحققها وقد يخفق، والسبب في ذلك قد يعود إلى التفاوت بين ظروف الفرد الحقيقية وذاته الجوهرية.

وفي المقابل حمل مفهوم الاغتراب في أدبيات الفكر الإسلامي عدة معان إيجابية، خاصة في الخطاب الصوفي ، والذي عنى بتزكية النفس، وصلاح القلب، وتحرير الفكر. فالاغتراب ليس تشاؤمًا عقليًّا، أو تمردًا سياسيًّا، أو عزلة اجتماعية، بل مسارًا للاتقاء بالإنسان روحيًّا وفكريًّا. ويسعى الخطاب الصوفي إلى معالجة غربــة الإنســان عــن ذاتــه الفطرية، فالإنسان إذا خاصم مكونه الحقيقي أو نازعه فإنه يعيش في غربــة مؤلمة دائمة.وقد مثلت قضية  الهوية أهم مظاهر الاغترب في الخطاب العرب الحديث ، فالعقل العربي مطالب بإعادة ترتيب العلاقة بين الذات والموروث في سياق واقعها المعاصر ، والتي تمثلت في رؤيتنا للموروث الديني والثقافي وقيم الحداثة الغربية ، ففي هذا الشأن ظهر مسارا رأى أن النهضة تقتضي انفصالا كليا هن الموروث الثقافي باعتباره أهم معوقتها ، وقد عبرعن ذلك سلامة موسى الذي رأي أن الاغتراب عن التراث هوالسبيل الوحيد للنهضة فيقول: ” كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتــي له، وشعوري بأنه غريــب عني، وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبــي لها، وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأني منها” .

على حين مثل الدكتور طه حسين نموذجًا آخر للنظر إلى الموروث الثقافي وعلاقته بالحداثة ، فرأى أن الاستفــادة من منجــزات النهضة الأوروبية يجب أن يراعي الخصوصية الثقافية لدينا ، كما ذهب الدكتور زكي نجيب محمود إن حاضرنا لابد أن يكون نسيجًا من قديم وجديد، فمن يدعو إلى حاضر بلا ماضي مخطئ، ومن يدعو لماضٍ بلا حاضــر مخطــئ، فالدعوة إلى الماضي سير إلى الوراء، والدعوة إلى حاضر هي سير إلى الأمام، بلا أصول ثابتة.

ومن المعلوم أن هذا الكتاب قد فاز بجائزة معرض الكتاب فى دورته الحالية 2026 فى فرع العلوم الإنسانية التراث والهوية، ونشر فى عالم الكتب بجريدة الأهرام يوم الجمعة الماضى.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى