عربي ودوليمقال رئيس التحريرمقالاتمميز

استقالة «كينت».. تفضح آليات صنع القرار الأمريكي!!

(1)- لم تكن استقالة مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب أمس الثلاثاء، مجرد حدث إداري عابر، بل جاءت كصفعة مدوية، في وجه رواية رسمية، طالما جرى تسويقها للرأي العام الأمريكي والعالمي.. فعندما يقرر مسؤول بهذا المستوى مغادرة منصبه لأنه (لا يستطيع بضمير مرتاح تأييد الحرب على إيران)، فنحن أمام لحظة كاشفة، لا مجرد خلاف سياسي !!

(2)- ما قاله جو كينت يتجاوز حدود الاستقالة إلى مستوى الشهادة.. نعم شهادة من داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية نفسها، تعترف بأن الحرب لم تكن ضرورة دفاعية، ولا استجابة لتهديد وشيك، بل نتيجة ضغوط سياسية ولوبيات نافذة.. إنها ليست فقط إدانة لقرار، بل فضح لآلية صناعة القرار.

(3)- الأخطر في تصريحات «كينت» ليس رفضه للحرب، بل تأكيده أن إيران (لا تشكل أي تهديد مباشر) للولايات المتحدة. وهذه الجملة وحدها كفيلة بنسف الخطاب التقليدي، الذي طالما استخدمته الإدارات الأمريكية لتبرير الحروب، بدواعي الأمن القومي.. فإذا كان هذا الأمن غير مهدد، فلماذا يتم تجييش القوات؟ ولماذا تُزهق الأرواح؟!!

(4)- «كينت» لم يكتف بالتشخيص، بل ذهب إلى الجرح مباشرة منوهاً بضغوط إسرا… ئيل وجماعات الضغط التابعة لها.. وهنا، تسقط الأقنعة؛ إذ لم تعد المسألة تحالفاً استراتيجيا، بل نفوذا قادرا على جر قوة عظمى إلى حرب لا تخدم مصالحها المباشرة.. إنها لحظة نادرة يقال فيها ما يُهمس به عادة خلف الأبواب المغلقة.

– ولعل المقارنة التي استحضرها «كينت» مع حرب العراق هي الأكثر إيلاماً.. نفس «الحيلة»، نفس السردية، ونفس النهاية المتوقعة؛ حرب كارثية تُراق فيها الدماء ثمناً لأكاذيب سياسية، وكأن التاريخ، كما قال، (يعاد إنتاجه بوعي كامل هذه المرة، لا بخداع فقط).

(5)- تصريحات «كينت» تكشف أيضا عن أزمة أعمق داخل النظام الأمريكي، تتمثل في صراع بين منطق الدولة ومنطق النفوذ.. بين مؤسسات يفترض أنها تزن وتقيم المخاطر بموضوعية، وقوى ضغط تعيد تشكيل هذه التقييمات بما يخدم أجنداتها.. وعندما يصل هذا الصراع إلى حد استقالة مسؤول أمني رفيع، فذلك يعني أن الخلل لم يعد هامشيا، بل بنيويا.

(6)- الأكثر إنسانية في خطابه كان رفضه إرسال (الجيل القادم للقتال والموت في حرب لا تعود بأي فائدة).. هنا يعود الصوت إلى جوهره الأخلاقي، فالجنود ليسوا أرقاما، والحروب ليست بيانات صحفية.. وإنما حياة تُفقد، وعائلات تُفجع، ومستقبل يُبدد.

(7)- هذه الاستقالة ليست نهاية قصة، بل بداية تساؤلات كبرى: من يقرر الحروب فعليا؟ ولمصلحة من تُخاض؟

وكم مرة أخرى سيستخدم الخوف كذريعة لتمرير قرارات كارثية؟ والخلاصة أنه حين يستقيل الضمير من داخل السلطة، لا يعود الصمت خيارا !!

رؤية تحليلية بقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى