أدب وثقافة

زكي نجيب محمود .. آخر رواد عصر التنوير  (بقلم: محمود شيحه- مصر)

من أبرز فلاسفة العرب ومفكريهم في القرن العشرين، وأحد رُوَّاد الفلسفة الوضعية المنطقية. وصفه العقاد بأنه«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، فهو مُفكر يصوغ فكره أدبًا، وأديب يجعل من أدبه فلسفة».

 

وُلِد زكي نجيب محمود في قرية «ميت الخولي عبد الله» بمحافظة دمياط في أول فبراير سنة ١٩٠٥، والتحق بكُتَّاب القرية، وعندما نُقِل والده إلى وظيفة بحكومة السودان أكمل تعليمه في المرحلة الابتدائية بمدرسة «كلية جوردون»، وبعد عودته إلى مصر أكمل المرحلةَ الثانوية، ثم تخرج في مدرسة المُعلمين العليا بالقسم الأدبي سنة ١٩٣٠، وفي عام ١٩٤٤ أُرسِل في بعثة إلى إنجلترا حصل خلالها على «بكالوريوس الشرفية من الطبقة الأولى» في الفلسفة من جامعة لندن، لينال بعدها مباشرة درجة الدكتوراه في الفلسفة من كلية الملك بلندن سنة ١٩٤٧.

له عديد من المؤلفات في الفلسفة، منها: «المنطق الوضعي»، و«موقف من الميتافيزيقا»، و«نافذة على فلسفة العصر». وله مُؤلَّفاتٌ عِدة تَمسُّ حياتَنا الفكرية والثقافية، منها: «تجديد الفكر العربي»، و«في حياتنا العقلية»، و«في تحديث الثقافة العربية». ومن مُؤلَّفاته الأدبية: «الكوميديا الأرضية»، و«جنة العبيط». وقدم سيرته الذاتية الفكرية في ثلاثة كتب: «قصة نَفْس»، و«قصة عقل»، و«حصاد السنين»، هذا بجانب ترجماته.

 

وبرحيل د. زكي نجيب محمود بالقاهرة في 8 سبتمبر سنة 1993 عن عُمر يناهز ثماني وثمانين سنة، انطفأ مشعل ساطع من مشاعل الفكر والتنوير في مصر والعالم العربي، وغاب واحد من فرسان الكوكبة التي آثرت الحياة الفكرية والعقلية في مصر على امتداد هذا القرن. ولا نعتقد أن مشتغلاً بالأدب والفكر والفن لم يعرف زكي نجيب محمود ولم يتأثر به سلبًا أو إيجابًا، فلم يكن الأديب الكبير مجرد عالم بالفلسفة، ولا مجرد مفكر يشغل نفسه بقضايا الإنسان ومستقبله وثقافته، ولكن شغله الأكبر كان إعلان رأيه وموقفه في مختلف القضايا التي يهرب الكثيرون من مواجهتها خاصة إذا كانت ذات مفهوم مغلوط ولكنه شائع.

قرابة نصف قرن ونيف قضاها زكى نجيب محمود داعيًا إلى منهج جديد في التفكير وداعيًا إلى أثر العقل في حياتنا الفكرية المعاصرة. وإعادة قراءة المفكر الكبير تشير إلى أنه لم يتخل عن الدعوة إلى العقل، وهي دعوة اتخذت منذ البداية شكل “الوضعية المنطقية”، أو “العلمية التجريبية” كما يحب أن يسميها رافضًا أن تكون فلسفة جامدة، وإنما منهج- جديد في التفكير يصب فيه أو خلاله دعوته إلى التنوير والتغيير. ففي حين آثر أن ينفق حياته كلها في منهج يغير به المجتمع، يمضي رويدًا رويدًا إلى الإفادة بمعطيات الوجدان لحساب العقل.

 

لقد ظل زكي نجيب محمود متميزًا بين مفكرينا في تشدده وعرضه دعاوى الوضعية المنطقية في تضييق الفكر الفلسفي بالانتصار على تحليل لغة العلماء وإهمال البُعد التاريخي للفكر البشري، ثم وما هو أخطر “تطبيق مبدأ الامتناع عن تجاوز ما هو منطقي، بحيث يترتب على هذا الامتناع “أن يترك الواقع دون أن يمس”، أي أن الفلسفة على حد تعبير “فنجشتين” وهو أحد أقطاب هذا المبدأ “تترك كل شيء على ما هو عليه”.

وهذا هو –من وجهة نظر المفكر الكبير- الوجه القبيح للوضعية المنطقية، وكل فلسفة تجريبية رغم كشف الأقنعة عن التزامها بأن الحد النهائي للمعرفة هو العطاء الحي وتوضيح معنى العبارات التي لها مقابل حسي في العالم الخارجي إلى آخر هذه التلميحات التي توصلنا أخيرا إلى ضياع الحقيقة الموضوعية الشاملة، حيث يصبح المدرك الحسي الجزئي هو الحقيقة الواحدة.

ولهذا تمامًا يفقد العقل البشري فاعليته التأليفية والابتكارية ويستحيل إلى مبضع بارد للتحليل والتشريح اللغوي العقيم. وينعزل الفيلسوف عن حركة الواقع المعاش ويتجنب المشاركة في القضايا المجتمعية المُلحة ليغرق ويغرقنا معه في تبويبات شكلية محشوة بالعمليات الرمزية المتعالية عن احتياجات الإنسان الدائمة عبر كل مرحلة تاريخية لمزيد من الحرية والعدالة والتقدم خاصة في مجتمع كمجتمعنا يتعرض إلى قوى خارجية وداخلية تحاول عرقلة نموه وتقدمه سياسيًا واجتماعيًا وحضاريًا. كل هذا كان هو التطور الجديد الذي طرأ على فكر الأستاذ منذ الأربعينات حتى قبيل رحيله.

ونظرة عُجلى على أعماله ترينا عمق هذا التطور وتبلوره. ففي حين يدعو منذ فترة إلى “جنة العبيط” 1947، راح يضيف العقل إلى جانب الشعور في كتابه الآخر “خرافة الميتافيزيقيا”، وفي الفترة التالية نشر كتابيه “نحو فلسفة علمية” 1958، وبعده بقليل “الشرق الفنان” 1960، وكلاهما جمع بين العقل والوجدان.

ولم يلبث بعدها أن نشر ثلاثيته الملحوظة “تجديد الفكر العربي”، و”المعقول واللامعقول”، و”ثقافتنا في مواجهة العصر”، وهو بناء فكرى يكمل –كما كان يردد دائمًا– ما أنجزه في الخمسينات من تحديد منهج علمي في التفكير، أضيف إليه وعي جديد، حيث أدرك قيمة الوجدان في تنظير القيمة العلمية.

 

ولعل أبرز مثال على ذلك سيرته الذاتية التي نشرها في الثمانينات، إذ نشر كتابيه “قصة عقل”، و”قصة نفس”، مدركًا أن الفيلسوف لابد أن يتلمس المنهج العلمي “قصة عقل”، ويعمق مفهومه به أكثر من حضور الوجدان “قصة نفس”، فجمع بين العقل والوجدان في ضمير واع يوظفه في فهم قضايانا المعاصرة.

 

ولعل الانطباع الأول الذي ندركه من قراءة أعماله ذات الطابع الأدبي بدأ من كتاب “جنة العبيط” حتى تجديد الفكر العربي 1971 هو نظريته الثنائية التي تصنف كل ظاهرة في الوجود والعالم إلى وضع ونقيض له لا علاقة بينهما إلا التضاد المطلق على عكس النظرية الجدلية التركيبية.

 

والدليل على عدم تخطيه هذه النظرية أيًا كانت تغيرات المجتمع العربي الذي يتأمل سماته دائمًا هو انتخابنا لمقطعين من كتابين: الأول “الشرق الفنان”، يقول في مقدمته بتعميم مزعج “أن فى العالم نظرتين أو طرفين مختلفين من حيث النظرة إلى الوجود، طرف يتمثل في الشرق الأقصى “الهند والصين”، ويتمثل الآخر في الغرب “أوروبا وأمريكا”، وبين الطرفين وسط يجمع بين طابعهما هو الشرق الأوسط. ونظرة الشرق الأقصى تقوم على إدراك حدسى تنفذ خلال الظواهر البادية للحس إلى الجوهر الباطني، وأما الغرب فنظرته تقوم على إدراك منطقي تحليلي استدلالي تنتزع النتائج الصحيحة من مقدماتها الصحيحة وتلك هي نظرة العلم، ويلتقي الطرفان في الشرق الأوسط طوال عصوره التاريخية، حيث يتجاوز الدين وتجتمع النظرة الروحية والنظرة العلمية.

 

وبنفس النظرة الثنائية والتعميم والتعسف يكتب في سنة 1971 في “تجديد الفكر العربي” وفي فصل “ثنائية السماء والأرض” مقترحًا صيغة لفلسفة عربية معاصرة: “أن الغرب صانع العلم الحديث، فشل في إيجاد لقاء بين العلم والإنسان، وإني لأعتقد أن مثل هذا الصراع بين الطرفين والرغبة في إيجاد الحلقة التي توفق بينهما فتزيل بينهما الصراع هو ما تختلج به نفوسنا نحن أبناء الأمة العربية اليوم”.

والتركيبة الفلسفية عنده لهذا التوفيق الفلسفي هي “مبدأ الثنائية التي تشطر الوجود شطرين لا يكونان في رتبة واحدة هما الخالق والمخلوق، الروح والمادة، العقل والجسم، المُطلق والمتغير، الأزلي والحادث، أو قل هما السماء والأرض”، وبذلك وفي ظنه نتخطى كل المذاهب التي تأثر بها العقل العربي وأبرزها الماركسية والوجودية والوضعية المنطقية، لأن كلا منهما يعتمد نظرة أحادية للوجود والإنسان.

 

والراصد لكل مساهمات زكي نجيب محمود الفكرية والأدبية منذ أواخر الثلاثينيات يلحظ تنوعًا فى معالجة مسائل أدبية ونقدية وحضارية بجانب تيار الوضعية المنطقية أو التجريبية العلمية كما يُطلق عليها .. ويُجدر بنا أن نلقي ضوءًا سريعًا حول هذا النشاط.

 

لقد امتدت أعماله الفكرية والأدبية منذ بدأ وحتى رحيله نحو خمسة وأربعين عامًا، أول مقال نشره عام 1927، كان في مجلة السياسة الأسبوعية، وكان عبارة عن نقد لنوع من الأغاني شاع وقتئذ، وكان في طبيعته أقرب إلى اللامعقول، ثم أخذت كتاباته تطرد باستمرار في المجالات الأدبية خصوصًا مجلة الرسالة، ثم الثقافة وغيرها من المجلات.

وبالطبع كان لابد أن تنتهي هذه المدة الطويلة إلى حصيلة كثيرة وغزيرة ومتنوعة الثمار، إلا أن هذه الكثرة لا تمنع المفكر الكبير من تبويبها تحت رءوس ثلاثة .. فهذا قسم كبير خاص بالفلسفة الخالصة من إحدى زاويتين: زاوية الكاتب الهاوي، وهذه الزاوية تمثلت في الكتب الأولى التي اشترك معه فيها الأستاذ أحمد أمين، وزاوية التخصص الأكاديمي.

وقد اتخذت هذه الزاوية عنده نوعًا من الانتماء لوجهة نظر معينة دافع عنها بكل قوته في الكتب والمقالات والمحاضرات حتى أنه إذا كتب فيها –أو امتد به العمر– أو قال شيئًا لما قال غير ما قال أو كتب غير ما كتب، وهي وجهة النظر التي يُطلق عليها الوضعية المنطقية التي تنحصر في منهج التفكير العلمي، وليس مذهبًا فلسفيًا يقتصر على دائرة الفكر العلمي الصرف.

وأما الدروب الأخرى التي يعني بها وهي المجالات غير العلمية كالشعر والأدب وغيرها، فلا شأن لها بهذا المنهج.

وهناك الرقم الثاني وهو الخاص بالأدب الخالص في مجال المقالة الأدبية، ويقصد بالمقالة الأدبية المعنى الخاص الذي يعرفه كل من له إلمام بالأدب الأوروبي، وهي المقالة التي يخرجها الكاتب في شكل أدبي ولا يحاول أن يعرض فيها فكره عرضًا علميًا يتسلسل بخطوات منطقية. ولذلك فهي دائمًا تحتوي على نوع من التعبير الذاتي إلى جانب المضمون الفكري الذي يحاول عرضه بطريقة غير مباشرة، وهي في معظم الأحوال تكون ساخرة بدرجة ما وناقدة حتمًا لوضع من الأوضاع أو لقيمة من القيم.

ويبقى القسم الثالث من أعمال فيلسوف العصر، وهو الخاص بالنقد الأدبي. والواقع أنه يكتب فى النقد من زاوية خاصة، ذلك لأن له رأيًا في الميزان الذي تزن به القطعة الأدبية. فهو لا يزن القطعة الأدبية بنوع الفكر فيها وإنما يزنها بمقدار ما فيها من تفرد يجعل تكرارها عند صاحبها أو عند غيره ضربًا من المستحيل، لأن هذا هو قانون الحياة نفسها، بمعنى أن الحياة لا تكرر مخلوقًا مرتين، وبالتالي لا يجوز للقصة الأدبية أن تحتوى على الجانب العام المشترك الذي يمكن أن يشترك فيه أكثر من فرد واحد وبشرط أن تكون –رغم تفردها هذا– ذات أبعاد يشعر معها القاريء أنه شريك فيما يقرأ. على هذا الأساس كتب زكي نجيب محمود عدة مقالات في النقد الأدبي، كما شارك في كتابة تاريخ أدبي مع أحمد أمين في “قصة الأدب في العالم” (أربعة أجزاء)، وفي غيره من الكتب.

 

كل هذا ولم نسه عن ذكر إسهاماته العريضة في الترجمة، والتي يراعي فيها دومًا أن تجيء مؤيدة ولو بطريق غير مباشر لوجهة النظر التي يتبناها، وهنا يثار التساؤل: هل هناك من هدف واحد أو موحد يجمع هذا النشاط المتعدد، بحيث يطرح رؤية فكرية لها نسق متميز فى ثقافتنا؟

 

والواقع أن المفكر الكبير يستهدف بهذه الأعمال الكثيرة والمتنوعة هدفًا بعينه يمكن رؤيته من خلال هذه الأعمال وهو الدفاع عن العقل والحرية معًا. فالإنسان الأمثل عند زكي نجيب محمود وكذلك الأمة الأمثل هي ما تحتكم إلى العقل لا إلى الوجدان، وهي ما تعطى الحرية لأفرادها فردًا فردًا.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى