فنونمقال رئيس التحريرمميز
دراما الألم والانكسار.. في سريالية صالح البرص!!

رؤية تحليلية بقلم:
الدكتور محمود عزالدين
▪️ لا يمكن قراءة أعمال الفنان المصري الدكتور صالح البرص بوصفها لوحات تشكيلية معزولة عن سياقها، بل هي وثائق بصرية دامغة، كُتبت بالألم، ووقّعتها الخيبة، وصدّقتها التجربة الشخصية القاسية، لفنان لم يُمنح ما يستحقه من اعتراف، رغم تفجر موهبته وعمق تكوينه الأكاديمي والإنساني.. إننا أمام فنان لم يرسم من الخيال فقط، بل من الجرح المفتوح !!
💠💠💠
▪️قراءة في اللوحتين المرفقتين:
⛔️ أولاً: «عبادة الكرسي»؛ حين يتحول الإنسان إلى وثن !!
– في هذا العمل، لا نرى كرسياً يجلس عليه إنسان، بل إنساناً تحول هو ذاته إلى كرسي.. هنا يبلغ الرمز ذروته السريالية القاسية؛ الجسد مشدود بحبال غليظة، كأن السلطة لا تمسك صاحبها فقط، بل تعصره حتى يتماهى معها، يفقد إنسانيته ويصير أداة !!
– الرأس المرفوع عالياً.. المتلقي للوحي، ليس وحيا سماويا، بل وحي العنف والاستعلاء، أفكار وحشية تتنزل من سماء زائفة، تبرر القهر وتقدس البطش.. أما الفقراء والمقهورون تحت الأقدام، فهم ليسوا خلفية بصرية، بل أساس هذا الكيان المشوه؛ يُبنى العرش من عظامهم، ويُرفَع الرأس على خوفهم.
– العمل هنا يعد نقداً للسلطة في كل مكان، و فضح لعبادتها، حيث يتحول الإنسان إلى صنم، ويصير الكرسي إلها جديدا، تُربط له الأجساد وتُسحق تحته الأرواح.
▪️▪️▪️
⛔️ ثانياً: «سجن المبدع»؛ المنفى الداخلي !!
– في اللوحة الثانية، ينتقل الفنان صالح البرص Saleh Ahmed من ضجيج الطغيان إلى صمت العزلة.. الإنسان ذاته، بطل الأعمال، لكنه الآن مستكين، جالس لا على كرسي سلطة، بل على أرض الانتظار.. هذا هو سجن بلا جدران، سجن الإقصاء، حيث يُستبعد المبدع عن المشهد، لا لأنه عاجز، بل لأنه خطر.. خطر بوعيه، بخياله، وبقدرته على طرح الأسئلة !!
– هذا الإنسان لا ينتظر الخروج من السجن، بل الخروج من نفسه، من عالم ضاق به حتى صار خياله الملاذ الأخير.. عيناه لا تنظران إلى الواقع، بل إلى عالم تخيلي أكثر إنسانية، عالم لم يُسمح له بالمشاركة في بنائه.
– هنا تتحول السريالية إلى اعتراف مرير؛ فالمبدع عبر العصور كان دائماً فائضاً عن الحاجة في حسابات السلطة، زائداً عن المعادلة، يُقصى كي لا يُربك النظام القائم.
▪️▪️▪️
⛔️ بين اللوحتين؛ سيرة فنان مقصيّ !!
– ما بين «عبادة الكرسي»، و«سجن المبدع» يقف الدكتور صالح البرص نفسه، لا كموضوع خارجي، بل كضمير خفي للعملين، فالفنان الذي جاب بلدان العالم تعلماً وتدريساً، وتحول إلى مرجع أكاديمي ومستشار فني، وجد نفسه فجأة خارج الصورة، بعدما حيكت ضده المؤامرات، وكتبت الوشايات، وسُحبت الأحلام من تحته، كما تُسحب الأرض من تحت قدم إنسان أعزل.
– ألزم بيته، دُفع إلى الاكتئاب، لكنه لم ينكسر؛ لم يبدل قلمه، ولم يهادن ريشته.. استمر في العطاء، وإن صارت لوحاته تنزف؛ ألوانها لم تعد بريئة، خطوطها مشدودة، وشخوصها مثقلة بالأسئلة.. هذه الأعمال ليست شكوى، بل محاكمة بصرية لعالم يكافئ الرداءة، ويقصي النبوغ، ويصنع من الكراسي أوثانا، ومن المبدعين مساجين !!
⛔️ إن تجربة صالح البرص التشكيلية هي صرخة إنسانية قبل أن تكون منجزا فنياً.. صرخة تسأل، بمرارة نبيّ مهزوم: «ماذا فعلت يا ربي… لتكون هذه عاقبتي؟!»
– لكن المفارقة المؤلمة أن هذا السؤال، ذاته، هو ما يمنح أعماله خلودها؛ فالفن العظيم يولد غالباً من الظلم، ويكتب تاريخه بدم القلب لا بحبر التكريم.. إن صالح البرص لم يُهزم… بل جرى عمدا إقصاؤه وتأجيل الاعتراف به !!






