أدب وثقافةملفاتمميز

من الجيوسياسي إلى الجيوثقافي.. رباعية «الجوهري» وإعادة تأسيس القوة الناعمة العربية

مع صدور كتاب «نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة» للدكتور حاتم الجوهري في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، يكون «الجوهري» قد وضع رباعية، أو أربعة كتب، في موضوع القوة الثقافية الناعمة العربية وتجديدها في القرن العشرين، شملت الأضلاع الأربعة الرئيسة للثقافة، والتي تضم: الدبلوماسية الثقافية، والدراسات الثقافية، والسياسات الثقافية، والجغرافيا الثقافية.

في الأصل، تخصص حاتم الجوهري في النقد والدراسات الثقافية، متخرجا من قسم اللغة العبرية، حيث طبق منهج الدرس الثقافي المقارن وموضوع المثاقفة والتأثير والتأثر، في تناول الخطاب الصهيوني الأيديولوجي من عدة جهات مقارنة في وقت واحد؛ الأولى من حيث تأثره بالمركزية الغربية وحضور الأيديولوجيا الأوروبية في تمثلات الفكر الصهيوني، ثم دراسة الخطاب والفكر الصهيوني نفسه، في ذاته، وعوامل نشأته وظهوره، والمحددات الخاصة به بين التاريخي والراهن، ثم تأثير هذا الخطاب الصهيوني وأقنعته العالمية في الذات العربية، في تمثلها السياسي والثقافي.

وسرعان ما طور الجوهري توظيفه لمنهج الدراسات الثقافية ليهتم بالذات العربية ومشروعها الوجودي وأزماته في القرن الحادي والعشرين؛ فأصدر مؤخرا أربعة كتب تشكل معًا مشروعاً مغايرا لخروج الذات العربية من مأزقها في القرن الـ21، وهي ما يمكن أن نطلق عليه «رباعية القوة الناعمة» وتجديدها.

وهذه الكتب تشمل، بترتيب الظهور، هي: «الدبلوماسية الثقافية البديلة»، وكتاب «مدرسة الدراسات الثقافية العربية المقارنة»، وكتاب «السياسة الثقافية الثا


لثة»، ثم كتابه الأحدث في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026م: «نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة: من جيوسياسي القرن الـ20 إلى جيوثقافي القرن الـ21».

حيث يؤسس الكتاب لنظرية جديدة في العلاقات الدولية؛ ويقوم الجوهر الذي يقدمه الكتاب على تجاوز نظريات «الجغرافيا السياسية» (الجيوسياسي) التقليدية التي تخطاها الواقع ومستجداته في القرن الـ21، وبلورة طريق نحو نظرية جديدة فاعلة في «الجغرافيا الثقافية» (الجيوثقافي)، ترى في المكون الثقافي الوحدة البنائية الأساسية العميقة، وأن الأصل الثابت هو الجوهر الثقافي، والفرع المتغير هو التمثل السياسي، وأنه على الجوهر الثقافي أن يصعد للقيام بدوره عندما تتكسر التمثلات السياسية وسردياتها.

ويطرح الكتاب تصورًا جديدًا للمكون الثقافي العربي ودوره في الظاهرة الإنسانية المعاصرة في القرن الـ21 على عدة مستويات.. فعلى مستوى الدرس الثقافي ومنهجه، يأخذ الكتاب المنهج الثقافي إلى آفاق جديدة، رافعا المكون الثقافي ودرسه إلى المستوى الاستراتيجي ومتونه الكبرى.

وفي موضوع القوة الناعمة ودورها، يتجاوز الكتاب تصور جوزيف ناي للمفهوم بوصفه بنية ملحقة وداعمة للقوة الخشنة ومستواها السياسي، ويعتبر أن القوة الناعمة هي عامل جوهري قائم بذاته.. وعلى مستوى مفهوم «الأمن القومي»، تعيد الدراسة تعريفه وتنقله من التصور العسكري المتخصص إلى مستوى النسق الثقافي المركب، باعتباره محصلة لاجتماع عاملين مرتبطين ارتباطاً شرطيا، وهما عامل القوة الناعمة وعامل القوة الصلبة.

وفي موضوع المثاقفة بين الذات والآخر وتأثيرها على المستوى الاستراتيجي والسياسات العليا، يقدم الكتاب مفهوما جديدا هو «التعالق الثقافي» بين الذات العربية والغرب وتمثلاته الاستراتيجية، ويقترح مسارات لـ«فك التعالق الثقافي». وعلى المستوى التطبيقي للنظرية، يطرح الكتاب تصوره لما أسماه «الكتلة الجيوثقافية الثالثة»، مستشرفا أنه يمكن للذات العربية أن تكون قلبا لـ«كتلة جيوثقافية عالمية ثالثة»، تؤسس لتعدد حضاري وثقافي حقيقي، يتجاوز وجود كتلة جيوثقافية واحدة تؤمن بالهيمنة المطلقة الشمولية والحصرية على جغرافيا العالم.

والمعروف أن حاتم الجوهري قد حصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية، وحصل على جائزة ساويرس في النقد الأدبي، ووصل إلى القائمة القصيرة لجائزة المركز القومي للترجمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى