من قلب التجربة؛ سوف أحدثكم عن قوة التراحم داخل جلسة الكوتشينج؛ فبعد ست سنوات من الجلوس فى ساحة النصرة التي نسميها «حجرة الكوتشينج»، أدركتُ يقيناً أن التغيير لا يبدأ بذكاء الخطة، بل بدفء الاحتواء.. خلف كل هدف يسعى إليه العميل، وخلف كل تحدٍ يواجهه، يختبئ طفلٌ صغير يرتجف،يكسر صمت غرفتي لا يحتاج لوعظي بقدر ما يحتاج لشعورٍ عميق بأنه «مقبول».
تقنيات الانتصار
في سنواتي الأولى، كنتُ أظن أن الكوتشينج هو مهارة إدارة الأسئلة القوية، لكنني اليوم تعلمت عن مهارة إدارة «الرحمة».. عندما يدخل العميل ويضع أثقاله على الطاولة، أنا لا أنظر إليه كـ(مشكلة تحتاج لحل)، بل كإنسان يبحث عن ذاته.. التعاطف هنا ليس مجرد هزّ رأس أو عبارات مواساة باردة، بل هو أن أخلع حذائي وأمشي معه في دروب أشواك وجعه، لا لأتألم بدلاً منه، بل لأضيء له بشعلة الوعي الجديد، ليأتي الوقت وننزل سويا صخور الألم ونطرحها جانباً ونمضي بنصره نحو الاتساع.
الحقيقة.. خلف أوراق التوت
تعلمتُ من مئات الساعات مع العملاء أن «المقاومة» التي يظهرونها أحياناً ليست إلا درعاً لحماية قلبٍ جريح.
التراحم هو المشرط الرقيق الذي يفك هذه الدروع دون أن يخدش صاحبها. عندما أتعامل برحمة، أقول للعميل «أنا أراك وأحترم ضعفك، وأعرف أن هذا الضعف هو منبع قوتك من الآن».
إن أعمق لحظات التحول التي شهدتها، لم تكن بعد استنتاج منطقي باهر، بل كانت بعد صمتٍ طويل مليء بالتراحم، ليشعر العميل أنني لا أحكم عليه، فسمح لنفسه أخيراً أن يسقط ورق التوت، ويكون هو وعلي طبيعته.
التراحم وعلاقته بالإيمان
التراحم في جلستي هو «الإيمان» بقدرة الآخر، حتى وهو في قاع انكساره.. هو أن أمسك بيده ليس لأطرحه قهراً بل ليشعر بوجودي بجانبه، وهو يحاول الوقوف.. التراحم هو الذي يحوّل الكوتش من (غارق في أحزان الآخر محترق النفس) إلى «رفيق صادق لروح تعافر وقت ظلام التحدي».
خلال ست سنوات، رأيتُ كيف أن دمعة تُذرف في بيئة آمنة، تفعل ما لا تفعله مائة نصيحة.. ورأيتُ كيف أن نظرة احترام لإخفاقات العميل تمنحه الشجاعة للوقوف من جديد (فالتراحم لطف حازم) يملك عينا ثاقبة ليري الألم، لكنه يرفض أن يسجد له، ورسالتي لكل رفيق في هذه المهنة: انتبه لا تغرق في قصة العميل، كي لا تلتهمك معه.
متي يشعر العميل بالأمان؟
عندما يتأكد أن ألمه لن يكسرني كداعم.. إننا لا نبيع خططاً للنجاح، وإنما نمنح الناس فرصة ليتصالحوا مع إنسانيتهم.. اجعلوا قلوبكم تسبق عقولكم في الجلسة، فالكلمة التي تخرج من لسان الكوتش قد تصل للأذن، لكن الروح التي تفيض بالرحمة هي وحدها التي تصل للعمق وتُحدث الفرق.
في نهاية كل يوم، لا أسأل نفسي: «هل طرحتُ أسئلة عظيمة؟»، بل أسأل: «هل غادر العميل وهو يشعر بأنه إنسان يستحق الحب والتقدير رغم أي شيء؟».. هذا هو الكوتشينج الحقيقي، وهذه هي الأمانة المهنية التي نحملها.
فالمحرك الأسمي هنا هو اللطف الحازم، السر الذي استغرق مني سنوات لإتقانه.. وتعلمت من خلاله أن أكون رحيمة أولا بنفسي كمدربة حياة، ليفيض ذلك الرحم على كل من يطرق باب حجرتي.
اللطف هو الغلاف الذي يحمي عضلة قلب العميل النفسية وقت الصدمات، أما الحزم فهو الأمانة المهنية الدافعة للنمو الحقيقي والعميق.
🟩🟩
بقلم: نادو مشرقي
مدرب دولي وكاتبة نفسية