مقالات

ناس غاوية ألقاب !!

بقلم: محمد ناجي المنشاوي

أُبتُلِي المجتمع المصري منذ ثلاثة أجيال بمرض اجتماعي يذكّرنا بمقولة الفنان عادل إمام في إحدى مسرحياته: «بلد بتاع شهادات»، ذلك المرض هو التحوّل إلى «بلد بتاع ألقاب».

فالناس يوزّعون الألقاب على بعضهم دون وجه حق، ودون أي مسوّغ، ودون علاقة حقيقية بين الملقَّب واللقب الممنوح. فهذا يُنادى بـ«فلان بك»، وذلك «فلان باشا»، وآخر «الدكتور فلان»، وذاك «باشمهندس علّان»، على الرغم من أن الحقيقة تخلو من أي صلة بين هؤلاء وبين تلك الألقاب.

إنه سلوك من النفاق الاجتماعي الفاضح، يمنح فيه المتملّق لقبًا لا يستحقه صاحبه. وشيوع هذا النفاق يعكس حالة من التدنّي والابتذال الأخلاقي، صُنعت على أيدي ضعاف النفوس كرشوة متأنّقة لقضاء المصالح أو لتسلّق السلم الوظيفي.

وهناك مؤسسات بعينها قلّما تجد فيها من لا يُنادى بلقب «دكتور».. وقد يندهش صاحب اللقب المزيف في البداية، لكنه سرعان ما يستمرئه، فيصبح «دكتورًا» كذبًا مع مرور الزمن، ومن ضعف نفسه لا يصحّح ذلك.

لقد أصبحت هذه الألقاب المخلَّعة على غير مستحقيها مصدرًا للوجاهة الاجتماعية الهشّة من ناحية، ولسطوة الإرهاب المعنوي من ناحية أخرى. وإنه لمروع لي ولغيري تفاقم هذه الظاهرة المقيتة التي تخلط الجاهل بالمتعلم، والمجتهد بالحاصل على لقبه زورًا.

صار قطاع عريض من الناس مولعًا بتزيين اسمه بحرف الدال، وربما مبالغةً يضيف قبله ألفًا أيضًا. لقد تغوّل هؤلاء المدّعون وسطوا على مكانة علمية ومهنية ليست لهم، حتى نسي المجتمع الشرفاء من الباحثين الذين ذاقوا مرارة البحث العلمي لينالوا هذا اللقب، وأصبح يتذكّر الأدعياء والمدلّسين والكاذبين الذين يتصدّرون المجالس ويتبوأون المقاعد.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ؛ فبعضهم كان يشغل منصب محافظ لإحدى المحافظات المصرية الكبيرة، وزوّر شهادة دكتوراه من جامعة بريطانية شهيرة حتى تتبّعته الجهات الأمنية، فاعترف بجريمته وانتهى به الأمر إلى السجن. وقد أدلى المحامي المصري جمال دياب بحديث متلفز ذكر فيه أن أحد المحتالين تمكّن من تزوير خمس عشرة ألف شهادة دكتوراه، باع بعضها حتى قُبض عليه وعلى من اشتروا منه شهادات العار والخزي.

ومما يدعو للأسف أيضًا وقوع حوادث سرقة لأطروحات علمية من قبل قلّة من أساتذة الجامعات، نسبوها لأنفسهم أو باعوها لطلاب مقابل مبالغ ورشاوى مختلفة. وقد افتُضح أمر هؤلاء الذين تخلّوا عن ضميرهم العلمي وتجردوا من كل القيم، فسقطوا في قاع بئر مظلمة بعد أن تلطّخت سمعتهم بالسرقة والرشوة.

فما الذي دفع كل هؤلاء إلى هذا الفعل المنكر؟! إنها إحدى تمثلات قيم عصر الانفتاح الذي فتح بابًا واسعًا أمام المرتزقة واللصوص ومحترفي التزوير وعشّاق الصعود الطبقي ومنهومي المال، ليقترفوا جرائم بشعة تسيء إلى جامعات عريقة تضم قامات علمية مخلصة تعمل في صمت ودأب لترتقي بالبحث الأكاديمي المضني.

وفي هذا السياق نتذكر أسماء بعينها قدّمت القدوة لشخصية الأكاديمي المحترم الذي يبقى في ذاكرة الوطن: الدكتور طه حسين، أول من حصل على الدكتوراه من الجامعة المصرية في ذكرى أبي العلاء المعري، والدكتورة سهير القلماوي أول فتاة مصرية تحصل على الدكتوراه في الأدب، والدكتور مشرفة تلميذ أينشتاين في المجال النووي، والدكتورة سميرة موسى التي حصلت على الدكتوراه في المجال نفسه، وغيرهم مئات بل آلاف في العلوم الطبيعية والإنسانية.

إن مصر الولّادة ستبقى دائمًا معطاءة في البحث العلمي الرصين، ونبراسًا لكل الباحثين في محيطنا العربي والدولي. ويبقى على المجتمع أن ينتبه ويفيق من غفوته ليفضح تلك الفئة المارقة التي لا تعرف للضمير الإنساني والوطني طريقًا، وأن يضعها في مكانها المتواضع حيث تستحق، وذلك بالمراقبة والمحاسبة المستمرة، وحصار هذه الظاهرة القبيحة حتى تنحسر غير مأسوف عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى