رؤية بقلم: د.محمود عزالدين
نصّ القصيدة:
عشرون صيفاً
ودمع العين ما نشفا
مذ أبلج العتم زيف النور
وانكشفا
عشرون صيفاً
وجرحي لا ترتّقه
كلّ الدواة
ويااااااا لله ما رعفا
🔹 🔹 🔹🔹
▪️ تقوم قصيدة سدرا الأسعد على ثلاثة محاور متداخلة: الزمن، الجرح، والضوء المموه.. وهي قصيدة قصيرة في ظاهرها، لكنها عالية التكثيف ومشحونة بعاطفة فادحة تبنى عبر لغة مشحونة بالحزن والخيبة والخذلان من حقيقة انكشفت بعد طول وهم.
▪️ تفتتح الشاعرة بنبرة دالّة: «عشرون صيفاً». اختيار الصيف وليس لا الشتاء يحمل إيحاءً بالمواسم التي يُفترض أن تكون حارة، خصبة، حية، لكن مرور عشرين صيفاً لا يثمر سوى دمع لا يشفى.
▪️ هذا المفارقة بين الحياة والخواء، تشي بأن الزمن ليس عامل التئام، بل عامل تثبيت للألم.. الجرح لا يتلاشى رغم مرور عقدين، ما يضفي على القصيدة شعوراً بثقل الزمن وضراوته.
▪️ ثنائية النور والعتمة
في الشطر:
«مذ أبلج العتم زيف النور وانكشفا»
تستخدم الشاعرة مفارقة بلاغية لافتة: العتمة هي التي تُبلج، لا النور.. هذا انقلاب في العلاقات الطبيعية بين الأشياء، يخلق صدمة دلالية، ويعكس لحظة اكتشاف مؤلمة: ما ظُنّ نوراً لم يكن إلا زخرفاً من الزيف.
– البيت يعكس لحظة وعيٍ مُرّ، لحظة انكشاف الخدعة أو سقوط القناع.. كما أن استعمال الفعل «أبلج» يمنح العتمة قدرة على الفضح، لا على الحجب، وهو توظيف بديع للغة.
▪️الجرح بوصفه كياناً لغوياً وروحياً
– تعود الشاعرة إلى اللازمة الزمنية:
«عشرون صيفاً»
لكن هذه المرة لا تتبعها الدموع، بل الجرح نفسه.. تكرار الفكرة – الزمنية يخلق إيقاعاً دائرياً يعمّق الإحساس بأن الشاعرة ما تزال في النقطة ذاتها رغم تغير الفصول.
▪️ قول الشاعرة سيدرا الأسعد: «وجرحي لا ترتّقه كلّ الدواة»، يشير إلى أن الجرح ليس جسدياً بل كتابيّ ـ روحيّ، لأن الدواة رمز الكتابة، كأن الشاعرة جربت الكلمات والأحبار كلها لتعالج الألم، لكنها عجزت. هنا يظهر البعد الميتاشعري—أي إحالة القصيدة إلى عجز الشعر نفسه عن تضميد الكسر الداخلي.
⛔️ الصرخة الأخيرة
– الامتداد الصوتي في: «ويااااااا لله ما رعفا»
ليس مجرد مدّ بلاغي، بل تجسيد للانهيار.. هذا التمديد الصوتي يحمل وظيفة انفعالية: يطيل زمن الصرخة ليوازي طول العذاب الذي امتد عبر عشرين عاماً، كما يربط الصرخة بالسماء في محاولة استغاثة، ربما لم يعد لها ما يقابلها على الأرض.
▪️ تتميز بنية النص بما يلي:
– الإيجاز المكثف يجعل القصيدة أقرب إلى نحيب شعري متقشف.
– التكرار (عشرون صيفاً) يصنع إيقاعاً داخلياً.
– الصور المكثفة (العتم يُبلج، النور ينكشف زيفه) تمنح اللغة عمقاً فلسفياً.
– التشابك بين الحسي والروحي (دمع، جرح، دواة) يجعل الألم متعدد الأبعاد.
▪️ الخلاصة النقدية
– تكشف قصيدة سيدرا الأسعد عن خطاب شعري يقوم على تكثيف الوجدان وتوظيف ثنائية الزمن/الجرح بطريقة تجعل الألم محوراً ثابتاً مهما تغيرت الفصول. وتعتمد الشاعرة لغة مشحونة وصوراً مبتكرة؛ أبرزها مفارقة العتمة التي تُبلج زيف النور – لتصوغ لحظة انكشاف مريرة تقوض كل وهم سابق. – تكرار عبارة «عشرون صيفاً» يرسخ شعور الدوران في دائرة الألم، فيما يشير الحديث عن الدواة إلى عجز الكتابة عن تضميد ما انكسر في الروح.
– القصيدة، رغم قصرها، تتميز بنبرة صادقة وإيقاع داخلي واضح، وتنجح في تحويل التجربة الشخصية إلى صياغة شعرية مكثفة تعبر عن خيبة ممتدة وجرح لا يشيخ.
💠💠💠💠
▪️ إعداد وإشراف:
د.محمود عبد الكريم عزالدين