أدب وثقافةمقال رئيس التحريرمميز

جدل النور والذات في قصيدة الشاعرة سمية اليعقوبي

بقلم:

الدكتور محمود عزالدين 

▪️ تنهض قصيدة الشاعرة سمية اليعقوبي على حوار ميتافيزيقي بالغ الكثافة بين الـ«أنا» وظلّها، لا بوصفه انعكاسا بصريا تابعا، بل ككيان معرفي مستقل، يملك تعريفه الذاتي ويقلب منطق التبعية رأسا على عقب.. السؤال الافتتاحي «من أنت؟» ليس استفهاما بريئا، بل تفجير سرديّ لثنائية الهوية، حيث يتكلم الظل لا ليعرّف نفسه، بل ليعيد تعريف الذات ذاتها.

💠💠💠💠

رؤية تحليلية:

د.محمود عبد الكريم عزالدين

💠💠💠💠

▪️الظل هنا ليس نقيضا للنور، بل ابنه وامتداده: «أنا روح هذا النور، وابن سطوعه».. هذه المفارقة التأسيسية تُسقط الثنائية التقليدية (نور- ظلام)، لتؤسس رؤية توحيدية ترى التناقض مصدر اكتمال لا صراع.. ومن هذه النقطة، تتسع الدلالة ليغدو الظل «آدم المرئي من طرف الضياء»، أي الإنسان الأول في صورته المتحققة، المخلوقة من طين ونور معاً.. الطين هنا ليس دنسًا، بل مادة اشتعال، «طينك المحموم»، في إحالة إلى القلق الخلاق لا الخطيئة.

▪️تشتغل القصيدة على جدلية الأبيض والأسود، بوصفها جدلية أخلاقية وجمالية في آن؛ فالأبيض «يهوي السواد تعانقًا»، في تفكيك واعٍ لرمزية النقاء الأحادي.. الوفاء للطهر لا يكون بإقصاء الآخر، بل باحتوائه. وهذه الرؤية تنقل النص من خطاب ذاتي إلى موقف فكري ضد التصنيفات القيمية الجاهزة، وهو ما يتجلى صراحة في خاتمة القصيدة حين تُلغى الفوارق اللونية لصالح إنسانية جامعة.

▪️من الناحية الأسلوبية، تعتمد الشاعرة على مفارقات لغوية دقيقة: وجه بلا عين يسبق الخطوة، صمت مجازي «ناطق»، ظل يقزّم الطول ويمدّ المسافة.. هذه الانزياحات لا تُنتج غموضا مجانيا، بل تُحاكي طبيعة الظل نفسه: حاضر/غائب، دالّ/صامت، تابع/قائد. الظل يسبق الجسد لأنه أكثر وعيًا بالمصير، وأقل خداعًا بالمظاهر.

▪️القصيدة، في جوهرها، ليست احتفاءً بالظل، بل مساءلة للذات التي تراه.. والمرآة التي يعلن الظل أنه إياها ليست أداة انعكاس، بل أداة كشف. والصمت هنا ليس عجزًا، بل خطاب أعلى من الكلام، يكتب ذاته «باليدين»، أي بالفعل لا بالقول.

▪️لقد نجحت سمية اليعقوبي في بناء نص فلسفي دون الوقوع في التجريد الجاف، إذ تحافظ على شعرية الصورة، وعلى إيقاع داخلي متوازن، يجعل القصيدة قابلة للتلقي الوجداني والفكري معاً.

▪️ الخلاصة إنها قصيدة عن الإنسان، كما ينبغي أن يُرى: كائن مركّب، لا يُختزل في ضوء ولا يُدان بظل، بل يُفهم بوصفه لقاءً دائماً بين الاثنين.

💠💠💠💠

نص القصيدة كاملًا:

وجهاً لوجهٍ معَ ظِلّي

لا بُدَّ أنْ يكونَ لكَ حديثٌ معَ ظِلِّك

وَما زِلتُ، والمَمْشَى… نَخُطُّ مُضِيَّا

إلى حَيثُ لا نَدْرِي نُجَرُّ “سَوِيَّا”

إلى حَيثُ يُدنِينَا الثَّرَى لصِفاتِهِ

وفِي الرُّوحِ طَيرٌ شَاغَلتْهُ ثُرَيَّا

وما زالَ؛ والظِّلُّ الغريبُ مُسمَّراً

كأنِّي بهِ شَكْلِي يُقَمَّصُ فَيَّا

يُحَاوِلُ إقنَاعِي الضِّياءُ

بأنَّ لي شَبِيهاً يُطِلُّ الآنَ منهُ، عَلَيَّا

يُرَافِقُ عُمْرِي، مِنْ صِبايَ،،،، إلى هُنَا

وجئتُ فتاةً حيثُ جاءَ صَبِيَّا

على سَهْلِيَ المُمتَدِّ حَجَّبَ وجْهَهُ

ليُبْعَثَ فِي الماءِ المُقَدَّسِ حَيَّا

أحاولُ إنطاقَ السُّكوتِ وسَمعُهُ

سيُصْغِي ولا ردٌّ على ما لَدَيّا

أجرّهُ خَلْفِي أو أُجَرُّ وراءَه

وشَكلِي يُرُى في الجرَّتَينِ بَهِيَّا

فمَا حَاجَتِي لِلغَيرِ يعْكِسُ قَالَبِي

أنا مَا أرَدْتُ الظِّلَّ عنْهُ ولِيَّا

وكُنتُ أرَى لي الضَّوءَ فِكْرَةَ والدٍ

ولكِنْ فقطْ للظِلِّ قَالَ: بُنَيَّا

فيَا أيُّها الآتِي منَ الإنعِكاسِ، قُلْ!

فرَدَّ؛ وكانَ العزْمُ فيهِ جَلِيَّا

أنَا رُوحُ هذا النُّورِ، وابنُ سطوعِهِ

أنا طَيفُكِ الضَّوئِيُّ حينَ تَفَيَّا

أنا آدمُ المَرئِيُّ منْ طرَفِ الضِّيَا

أنا طينُكِ المَحْمُومُ حينَ تَشَيَّا

أنا أبيضٌ يهْوَى السَّوادَ، تَعاَنُقاً

وكُنتُ إلى طُهْرِ البَياضِ وَفِيَّا

وَوجْهِي بِلا عَينٍ وأسْبِقُ خُطْوةً

ومَا حَاجَتِي حتَّى يُؤَشَّرَ: هَيَّا

أُقزِّمُ عُوداً كَمْ يَغُرُّكِ طُولُهُ

أَمُدُّكِ مِيلاً لِلهُنَاكَ قَصِيَّا

أنا مَنْ؟؟ أنا مِرْآتُكِ، الآخَرُ، الَّذي…

وصَمتِي مَجَازٌ ناطِقٌ بِيَدَيَّا

على صَفحَةِ الخَدِّ الحَزينِ تَمُرُّ كَيْ

تُؤاخِي عُيُوناً جِئْنَ فيكِ بُكِيَّا

أنَا لا أَرى في السُّمرِ أيَّ فوارقٍ

عَنْ البِيضِ؛ كلُّ العَالَمينَ بَنِيَّا

فَهَاتِي جَوَاباً لِي يليقُ وها أنا

أمامكِ أُصْغِي للكلامِ مَلِيَّا

أنا ابنةُ وَقْدِ النَّارِ ألسِنتِي لظىً

سأكْوِي بِها شِعْرًا غرُورَك كَيَّا

أنا ابنةُ ضِلْع البَدْءِ آدمِيَ الوحيدُ

عاشَ على تلكَ الجِنانِ نَبِيَّا

أنا الضَّوءُ؛ وَجهُ الشَّمْسِ بعضُ حقِيقتِي

وما كُنتَ إلّا تَابِعاً ونَسِيَّا

أنَا مِنْ غُرورِي الآدَمِيِّ أجِيئُكُمْ

فيَا مَعْشَرَ الظِلِّ الظَّلِيلِ إِليَّا

فَجِيئُوا بأحزابِ الملائِك كيْ أرَى

بأنَّ لكُم في العالمينَ صَفِيَّا

وآتُوا بشيطانٍ يراوِدُ خُلدَكُم

وهاتُوا مِنَ النَّارِ الحمِيمِ سَمِيَّا

وجِيئُوا بحوّاءٍ تَقوَّسَ ضِلْعُها،

ونورٌ بجِسمٍ للجَمالِ تَهيَّا

وجِئنِي بذَنْبٍ مِثلِ ذَنبيَ كاملٍ

وتُسألُ عَنهُ حِينَ تُبعثُ حَيَّا

تعالَ وقِفْ عندي! فغَيرُكَ ساجِدٌ

فلستَ ابنَ نارٍ كي تزيدَكَ غِيَّا

فلَولايَ ما ذُقْتَ الحياةَ وسِحرَها

وَمِنْ قَبْلِ إِذْني أنتَ لَمْ تَكُ شَيَّا

تجهَّمَ؛ إذْ نادَى الأصِيلَ مرَاكِباً

إلى لَيلِهِ.. يَطوِي الحَوالِكَ طَيَّا

يَفُكُّ خيوطَ الشَّمسِ عَن حرَكَاتِهِ

ويَكويهِ شوقٌ بالأصائِلِ كَيَّا

فلِنْتُ إلى حُزنٍ بِعَينِ مُرَافِقِي

لأمسحَ دمعاتٍ روَيْنَه رَيَّا

تعالَ! أُعلِّمْكَ الحياةَ وَعِشْ بِها

طليقاً ولا تَركُنْ هُناكَ خَفِيَّا

فأيُّ صفاتِ الآدمِيِّ ورِثْتَهَا؟؟

لتُشْتَقَّ مِن ذاكَ الحَميمِ نَدِيَّا

ستندمُ لكنْ لا مَفَرَّ، مُقدَّرٌ

بِأَنْ يصْحَبَ القِدّيسُ فيكَ غَويَّا

فَغادِرْ مِنَ الإنسانِ إنَّكَ ميِّتٌ

وأَوجَعُ حُزنٍ أنْ تموتَ فَتِيَّا

وخيِّرْ مِنَ المعكوسِ عذْبَ ميَاهِهِ

فَفِي ذِمَّة الأمواهِ عِشْتَ سَرِيَّا

فأنتَ كإبراهيمَ فيكَ نُبوءةٌ

وَعَمَّا تمَسُّ النّارُ كُنتَ عَصِيَّا

كأعْمَى يُؤاخيكَ البَصِيرُ لـ(أَيْنِهِ)

وما كنتَ أعمَى؛ بلْ صَحِبْتَ عَمِيَّا

أَتعلمُ!! ليتَ الذِّكرياتِ تُعيدُنا

وتأتِي بِظلٍّ مِنْ صِباكَ بَرِّيا

يُفتّشُ عن ظلِّي القديمِ لعلّهُ

يعيدُ إلى ظِلِّي الجَديدِ “سُمَيَّا” .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى