مقال رئيس التحريرمقالات

وهم العبقرية.. وحقيقة يتعامى عنها كثير من المثقفين !!

بقلم: الدكتور محمود عزالدين

▪️ في زمن يُفترض أنه زمن المعرفة المفتوحة، ما زال بعض البشر يعيشون داخل «فقاعة ضيقة»، يتخيلون فيها أن العلاقات الإنسانية معارك صفرية، وأن نجاح الآخر خصم مباشر من رصيدهم، وكأن الحياة حلبة صراع، لا مساحة تكامل.. المدهش والمخجل في آنٍ معاً، أن هذا الوهم لا يسكن الغرباء فقط، بل يتسلل أحياناً إلى علاقات الصداقة والزمالة والمعرفة، حيث يساء فهم القرب على أنه منافسة، ويُترجم الاختلاف على أنه تهديد !!

▪️ في تقديري أن ثمة حقيقة بسيطة يتعامى عنها كثيرون: نجاحك لا يضرني، وتعثرك لا يضيف لي شيئاً.. ومع ذلك، تنتشر «الغيرة» كمرض صامت، ويتصرف البعض وكأن الدنيا خُلقت لهم وحدهم، وكأنهم آخر النسخ الذكية في هذا الكوكب.. وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا يخاف الناس من نجاح غيرهم؟ ولماذا يصر البعض على ارتداء عباءة «العبقري الأوحد»، في زمن لم يعد يعترف بالأساطير الفردية؟

▪️ نحن- شئنا أم أبينا- لسنا في عصر العباقرة الملهمين المنعزلين، بل في عصر الجد والاجتهاد، السعي المستمر، والتعلم المتراكم.. لا أحد يولد عظيماً، ولا أحد يحتكر الفهم، وكل ما يُسمى «تميزاً»، ليس سوى نتيجة طبيعية للعمل، والانفتاح، وتوسيع الأفق.. ومن يتوهم «العبقرية المطلقة»، إنما يعلن إفلاسه المعرفي دون أن يدري !!

▪️ إن الوعي الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأننا نتعلم، وسنظل نتعلم حتى آخر لحظة.. وأن العلم ليس منصة للغرور، بل سلّم للتواضع.. ألا تدري أنه «فوق كل ذي علم عليم»، وأن هذه الآية الكريمة ليست جملة للتزيين، بل صفعة أخلاقية لكل من يتخيل نفسه قمة الهرم، ويرى من دونه جهلة أو أغبياء.. هذا الوهم تحديداً هو أسرع طريق للسقوط، لأن من يعتقد أنه وصل، يتوقف عن السير.

▪️ أما اللافتات والألقاب، فهي غالباً تعويض رمزي عن نقص داخلي؛ فالقيمة الحقيقية لا تُعلق على الجدران، ولا تُسبق بالألقاب، بل تُبنى بصمت، وتترسخ بالفعل لا بالضجيج.. أنا شخصياً أثق تماماً أن من يعمل في صمت، ويتوسع في اهتماماته الثقافية والأدبية والفنية (دون استعلاء)، هو من يضيف رقماً حقيقياً – ولو صغيراً- في معادلة الفكر والإبداع.. وهل هناك أسمى من أن نكون جزءًا نزيهاً من هذه المعادلة؟

▪️ وأخيراً أوجه هذه النصيحة إلى بعض المتعجرفين:

 لا تتوهم أنك أفقه وأعلم خلق الله؛ فإنك «لن تخرق الأرض، ولن تبلغ الجبال طولاً».. و اعلم أن التواضع ليس ضعفاً بل وعيٌ بالقيمة الحقيقية للإنسان.. ومن تواضع لله رفعه.. أما من عبد غروره، فمصيره أن يظل أسير صورته في المرآة، يصفق لنفسه.. بينما العالم يتقدم من حوله دون أن ينتظره !!

💠💠💠💠

▪️ رؤية قلمية:

د.محمود عبد الكريم عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى