أقلام القراء

شباب تحاصره الضغوط.. من المسؤولية إلى التردد!!

كتبت- مي عزت:

لم تكن المسؤولية يوماً خيارا يمكن تجاوزه، بل كانت ولا تزال علامة فارقة في نضج الإنسان واستعداده لمواجهة الحياة.. غير أن النظرة إليها اليوم تبدو مختلفة؛ إذ بات البعض يتعامل معها كعبء ثقيل يسعى إلى الهروب منه، وهو ما يفتح باب التساؤل حول أسباب هذا التحول: هل نحن أمام جيل أقل قدرة على تحمّل الأعباء؟ أم أن تعقيدات الواقع جعلت تحمّل المسؤولية أكثر صعوبة مما كانت عليه في السابق؟

في العقود الماضية، لم يكن تأخر الاستقلال موضوعاً للنقاش، فبلوغ سن معينة كان يعني تلقائياً الاعتماد على النفس في التعليم والعمل وبناء الحياة الخاصة. أما اليوم، فيبرز عدد متزايد من الشباب الذين يؤجلون القرارات المصيرية، كدخول سوق العمل أو تحقيق الاستقلال المادي أو حتى التقدم الاجتماعي والاقتصادي.. ومع ذلك، فإن اختزال المشكلة في هذا السلوك وحده يظلم الحقيقة، فالمسألة أكثر تشابكا وتعقيدا.

بين التدليل والخوف من الفشل

يُعد نمط التربية القائم على الحماية الزائدة أحد أبرز العوامل التي أسهمت في تراجع حس المسؤولية لدى بعض الشباب. ففي كثير من الأسر، لم يعد الأبناء شركاء حقيقيين في اتخاذ قراراتهم، بل بات الأهل يتدخلون في أدق تفاصيل حياتهم، من اختيار التخصص الدراسي إلى قرارات العمل والزواج. هذا التدخل المستمر يضعف قدرة الشاب على مواجهة الواقع بمفرده، لأنه لم يُمنح الفرصة لاتخاذ قرارات مصيرية وتحمل نتائجها.

إلى جانب ذلك، يبرز الخوف من الفشل كعامل ضاغط يقيد اندفاع الشباب نحو التجربة والمبادرة. ففي مجتمع يفرض معايير عالية للنجاح، يخشى الكثيرون الإقدام على خطوات جريئة خوفًا من النقد أو الإخفاق. والمفارقة أن هذا الخوف ذاته يقود في النهاية إلى الفشل، إذ يبقى الشاب أسير التردد، عاجزًا عن تحقيق أي تقدم فعلي.

الظروف الاقتصادية: مبرر أم عقبة حقيقية؟

لا يمكن تجاهل أثر التحديات الاقتصادية في تشكيل نظرة الشباب إلى المسؤولية؛ فارتفاع تكاليف المعيشة، وندرة فرص العمل، وصعوبة تحقيق الاستقلال المادي، كلها عوامل تدفع بعضهم إلى البقاء تحت مظلة الأسرة لفترة أطول. غير أن وجود نماذج شبابية استطاعت تجاوز هذه الظروف وشق طريقها بثبات يؤكد أن المشكلة لا تكمن في الواقع وحده، بل في كيفية التعامل معه واستثمار الفرص المتاحة.

هل فقد الشباب الإحساس بالمسؤولية؟

ليس من الإنصاف تحميل جيل كامل وزر هذه الظاهرة؛ فكما يوجد من يهرب من المسؤولية، هناك من يتحملها بشجاعة رغم قسوة الظروف.. الحل لا يكمن في الانتقاد المتكرر، بل في تعزيز روح المبادرة والاستقلال لدى الشباب، فالأسر مطالبة بمنح أبنائها مساحة أوسع لاتخاذ قراراتهم، والمجتمع مطالب بتوفير بيئة تحتضن الطموح بدل أن تحاصره بالخوف والإحباط.

في النهاية، المسؤولية ليست مجرد التزام ثقيل، بل هي مفتاح النجاح الحقيقي.. جيل تحت الضغط: من المسؤولية إلى التردد. والفارق الجوهري بين الأشخاص لا يكمن في حجم التحديات التي يواجهونها، بل في قدرتهم على التعامل معها بوعي وإصرار. فإما أن يواجه الإنسان مسؤولياته بشجاعة، أو ينتظر حتى تفرضها عليه الحياة بشروطها القاسية، وفي الحالتين ستظل الصعوبات جزءًا لا يتجزأ من مسار الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى