فنونمقال رئيس التحريرمقالاتمميز

الفنان التشكيلي محمد طوسون وتجربة فريدة من نوعها 

 في تجربة فنية فريدة من نوعها، يقف الفنان التشكيلي المصري محمد طوسون، بوصفه أحد الأصوات التي سعت إلى إعادة اكتشاف الحرف العربي داخل فضاء التشكيل المعاصر، ليس باعتباره مجرد عنصر زخرفي أو شكل بصري، بل ككائن حي نابض بالمعنى والروح والحركة.. ومن هنا جاءت تجربته الفنية التي أسس لها تحت مسمى مذهب البكتوجراف، والذي يجمع بين الجمال والخيال والفكر والفلسفة، ويفتح أمام الحرف آفاقاً جديدة في التعبير البصري والروحي.

💠💠💠💠

رؤية تحليلية بقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين

💠💠💠💠

– يتوجه الفنان إلى الباحثين وطلبة الفنون والتربية الفنية، وإلى كل من يسعى لدراسة أعماله في رسائل الماجستير والدكتوراه، مقدما وصفا دقيقا لفلسفة تجربته التشكيلية، التي يرى فيها شرفاً كبيرا له ولأعماله، لأنها تنتمي إلى رحلة بحث إنساني وفني عميق لا ينتهي.

– في لوحات محمد طوسون لا يبقى الحرف ساكناً على سطح اللوحة، بل يتحول إلى كيان عضوي يتنفس ويتحرك، يرتفع ويسمو، وقد يتمحور حول ذاته أو ينطلق إلى آفاق اللامحدود.. فداخل أعماله تختزن علاقات تشكيلية وإيقاعات موسيقية، تتجسد في تكوينات عضوية تتفاعل فيها عناصر التشكيل الأساسية؛ اللون، والمساحة، والموضوع، وجمال الخط العربي.

– ومن خلال هذا المزج الخلاق بين الخط والتشكيل استطاع الفنان طوسون أن يمنح اللوحة الخطية بعدا عالميا، فصارت اللوحة لديه متكلمة ومتحركة؛ يراها المتلقي ويسمعها في آن معاً؛ إذ لا يكتفي الأثر الجمالي بما تراه العين، بل يحاول إشراك حاسة السمع عبر التكرار الإيقاعي للكلمات والحروف، ليخلق ما يشبه الرنين أو الصدى الموسيقي داخل التكوين البصري.

– يرى «طوسون» أن اللفظ مرتبط بشكل الكلمة التي تُكتب أو تُرسم بها، وأن الشكل والمعنى يتلازمان حتى يتحولا معاً إلى رمز بصري يستدعي الخيال فور صدور الكلمة، فكما تختزن النواة طاقة التكاثر والنماء، تختزن الكلمة الصغيرة عالما كاملاً من الصور والدلالات.. ومن هنا جاءت تجربته في ما يمكن تسميته (اللوحة المتكلمة)؛ حيث تتجاور الكلمة مع الصورة والحدث داخل بناء تشكيلي واحد، لتولد لغة بصرية جديدة ذات طابع وظيفي وروحي في الوقت نفسه.

– لم يجد الفنان مصدرا أكثر عمقاً وإلهاما من النص القرآني، الذي يراه عالما مترامي الأبعاد لا تستوعبه نظرة عابرة. ولهذا لم يلجأ إلى الوصف المباشر للآيات، بل اعتمد على إيقاع الكلمات وأحجام الحروف وكثافة الألوان ليصنع نسيجا بصرياً معقداً يدعو المتلقي إلى التأمل والتدرج في اكتشاف مسار الآية المكتوبة.. فاللوحة عنده ليست مجرد كتابة للنص، بل تجربة تأملية، تجعل المشاهد يجاهد في قراءة الحروف واكتشاف معانيها، وكأنه يسير داخل فضاء من الإشارات والرموز.

– في فلسفة «طوسون» الفنية يتجاوز الحرف بعده الفيزيقي ليغدو حاملاً لعوالم ميتافيزيقية، حيث تتقاطع الذاكرة والدين والأسطورة والمخيال، فالحرف عنده يمثل كثافة الوجود؛ مثلما تختزن حبة الرمل الصحراء، وتختزن قطرة الماء البحر.

ومن خلال هذا الفهم، يصبح الخط بالنسبة له فعلاً روحياً يشبه الصلاة في محراب الجمال، حيث تتدفق الألوان من بين أنامله معشقة، برموز خاصة تمزج الاسم بالمعنى والضوء.

– يؤكد الفنان أن تجربته ولدت من قلق وجودي عميق، ومن صراع داخلي مستمر بحثاً عن أسلوب وهوية، فالفنان في نظره، لا يتوقف عن طرح السؤال: من أنا؟ وكيف أعبر عن وجودي؟ ومن هنا جاءت صيحته الفنية: (أنا أرسم… إذن أنا موجود).

– هذا البحث المتواصل هو الذي قاده إلى تأسيس أسلوبه الخاص، حيث تنطلق الحروف في لوحاته كموجات انسيابية تصنع عوالم لم يكن للحلم أن يتخيلها، وتتحول اللوحة إلى حدائق من الخطوط والأشكال تنطق بلغة الروح والضوء والجمال.

– اللوحة لدى الفنان القدير محمد طوسون ليست سطحا بصريا فحسب، بل رؤية كونية تجمع بين السماء والأرض في تجربة فنية واحدة. وفي هذه الرؤية يحتل اللون الأصفر رمزاً للعشق الخلاق، إذ تشع منه الحركة والضوء، ويقود البصر إلى رحلة داخل الحروف المتألقة حتى يصل إلى نبع الغيب، حيث الجمال الجوهري للكلمة ومعانيها المستترة.

– يطمح الفنان إلى أن تحتل اللوحة الخطية العربية مكانتها العالمية في المتاحف وأكاديميات الفنون حول العالم. ويؤمن إيماناً عميقاً بأن التاريخ سيخلد هذه التجربة المتفردة التي تعاملت مع النص اللغوي المكتوب بطريقة جديدة تمنحه شكلا بصرياً ملازما له ويؤكد قدسية مضمونه.

 وفي ختام رؤيته، يؤكد الفنان محمد طوسون أن كل ما أنجزه إنما هو فضل من الله، الذي وفقه ليجعل اسمه العظيم وآياته الكريمة حاضرة في أعماله الفنية.. وهكذا يظل محمد طوسون في رحلته المفتوحة نحو اكتشاف ما لم يُكتشف بعد من عوالم الحرف، حيث تتحول الكلمة إلى صورة، والصورة إلى معنى، والمعنى إلى كون كامل ينبض داخل اللوحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى