ملفات

«اقتصاد الفضاء» بين الضرورات والمخاوف.. رؤية مستقبلية

شارع الصحافة/ إعداد- علي الحاروني 

 لقد أصبح سباق التسلح الفضائي سواء أكان مدنياً أم عسكريا مجالاً خصباً للصرعات الدولية في المستقبل القريب و الذي سينذر بكوارث صعبة ومعقدة في المستقبل البعيد لارتباطه الوثيق بالأمن القومي للعديد من الدول ومن أجل الاستحواذ علي مصادر القوه داخل الفضاء والحيلولة دون تعرض بنيتها التحتية والاقتصادية والعسكرية للحظر أو ضرب مواقعها الإستراتيجية الإذاعية أو التليفزيونية أو سقوط شبكات المحمول أو البث الفضائي ما يكون له أثر فادح علي اقتصاديتها وأمنها القومي.

   هذا علاوة علي رغبة الدول الكبري في غزو الفضاء لتحقيق مكاسب مادية وتقنية متعددة من إستخراج المعادن النادرة وتوليد الطاقة المتجددة وما يزيد من صعوبة وتعقيدات الصراع الفضائي هو أن الفضاء لا يخصع لسيادة دولة ما أو مجموعة من الدول، كما أنه ليس محصناً لا إقليميا أو دوليا، تشريعيا أو فضائياً.

كما أنه أصبح ذات أبعاد متعددة و متنوعة حيث لم يعد الفضاء مقتصرا علي البعد التكنولوجي بل امتداد إلي أبعاد سياسية واقتصادية و أمنية أخري …. إلخ، حيث أصبح مجالاً خصباً للتجسس والتسلل وإجراء حروب بالوكالة أو في صورة مخالفات دولية أو إقليمية عسكرية ويتم فيها استخدام القوة والقدرات الهجومية والدفاعية عبر الفضاء والتكتيكات الحربية وتأمين نظم الملاحة الجوية والإنذار المبكر والاتصالات، وهذا هو التوظيف العسكري للفضاء.

 ويُضاف إلى هذا، الجانب المدني المتمثل في استخدام الفضاء في الاستشعار عن بعد والأرصاد الجوية ونظم الاتصالات والإنترنت وتحديد المواقع العالمية وبروز حوافز اقتصادية جديدة للهيمنة علي الفضاء، ومنها ندرة موارد الأرض واحتمالية وجود موارد علي الفضاء والتنتقيب عن المعادن الثمينة أو قرصنة الكواكب واستعمالها.

و علي ضوء ذلك ومع اتساع أهداف الهيمنة علي الفضاء، زادت اقتصادياته وهو ما يطلق علية (اقتصاد الفضاء)، حيث بلغ حجم إقتصاد الفضاء 75 مليار دولار ويتوقع أن يصل إلي 2.7 تريليون دولار بحلول عام 2040م، كما بلغ حجم الاستثمارات الدولية في الفضاء عام 2020م إلي 100 دولار مقارنة بـ 75 مليار  دولار عام 2018م، ومع زيادة غير مسبوقة في إطلاق الأقمار الصناعية لأغراض متعددة عسكرية أو مدنية حيث وصل عددهم إلي 82 قمراً في عام 2018 م مقارنة بـ 5 أقمار في عام 2008م.

إضافة إلي ذلك تم تحويل الفضاء من قبل القوي الكبري إلي ساحة للسجال العسكري لدرجة أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بإنشاء قيادة عسكرية لأغراض الفضاء في أغسطس 2019م، ونفس الأمر قامت به فرنسا يوليو 2019م، مع إطلاق الهند صاروخاً مضاداً للأقمار الصناعية.

   لعل هذا له جذور تاريخية سابقة منذ إطلاق القمر الصناعي (السوفيتي) عام 1957م ثم إطلاق أمريكا المركبة أبوللو في 1969م وكان ذلك جزءًا من الحرب النفسية فيما عرف بـ (حرب النجوم)،  ثم مع فكرة نشر دروع مضادة للصواريخ في الفضاء بدأت كل من القوتين العظميتين في دعم حلفائها وهو ما عُرف بـ(حرب الوكالة )، ثم بعد ذلك دخلت العديد من الدول النادي الفضائي و لكن تظل أمريكا هو الفاعل الأول في هذا المجال حيث تهيمن علي 50% من الأقمار الصناعية.

 ومع تطوير عسكرة الفضاء و اتساع اقتصادياته هناك تخوفات من أن يتحول الفضاء ساحة للصراع العسكري أو الحربي لاسيما وأن اتفاقية الفضاء الخارجي والأجرام السماوية عام 1967 لم تضمن الأسلحة الفضائية بين طياتها.

وعلي الرغم من المحاولات الدولية والإقليمية لوضع وتقنين معاهدة لمنع وضع أسلحة من الفضاء أو إستخدامتها أو التهديد بها منذ مؤتمر نزع السلام عام 2008م وحتي الآن، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل خوفا من أن ذلك سيؤدي إلي احتفاظ القوي الكبرى بالقدرات الفضائية، وبخاصة روسيا والصين تحت مظلة ورعاية الأمم المتحدة.

ومن هنا فإن الحاجة ملحة للشفافية وبناء الثقة لمنع التسلح الفضائي و ذلك تحت رعاية الأمم المتحدة والقوي الدولية والاتحاد الأوروبي و المنظمات الدولية والإقليمية لوضع تقنين دولي للحفاظ علي أمن الفضاء الخارجي وعدم إستغلاله عسكرياً وأمنياً وضرورة ترشيد الاستخدام لتكنولوجيا الفضاء لمواجهة الأخطار ذات الطبيعة العالمية وتحديد كيفية تنظيم ذلك الإستخدام من قبل الدول أو الشركات الخاصة، مع تقنين خضوع بعض مجالات سباق التسلح الفضائي للتفتيش والمراقبة خاصة وأن بعض الدول لا تمتلك منصات لحماية أقمارها من أي إعتداء أو هجوم فضائي.

وهنا تبدو أهمية تفعيل إتفاقية عام 1967م و تعزيز دور الأمم المتحدة و المجتمع المدني وترسيخ قواعد الحماية للبنية التحتية في الفضاء الخارجي من خطر القصف أو التدمير ومواجهة الأخطار الكونية مثل التغيير المناخي وأن يكون الفضاء مجالاً للتعاون والتكامل وبعبارة أخري؛ فمع الرغم من المكاسب المادية والتقنية المتعددة من السباق الدولي لغزو الفضاء والهادف إلي استخراج العديد من المعادن الثمينة منه و التي تستخدم في تصنيع الأدوات الإلكترونية والمعدات العسكرية وتوليد الطاقة المتجددة.

   ولكن مع تلك المكاسب الاقتصادية لابد من العمل علي تقنين غزو الفضاء فنياً وتكنولوجيا وتشريعياً منعاً لتحوله لكارثة عسكرية تتصارع فيه القوي الكبرى لاسيما الولايات المتحدة والصين و روسيا أو قنبلة موقوتة تهدد العالم بيئيا ومناخياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى