مقال رئيس التحريرمقالاتمميز

رئيس التحرير يكتب: خطبة العيد .. وردود الأفعال المتطرفة!!

بقلم: د. محمود عزالدين 

في مشهد كان من المفترض أن يغلب عليه الصفاء الروحي، أثارت خطبة عيد الفطر المبارك التي أُلقيت أمس بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي جدلاً واسعا، تجاوز حدود النقاش الديني إلى سجالات سياسية وطائفية حادة.. السبب لم يكن الخطبة في مجملها، بل مقطع دعائي بعينه: «اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر الكامن فيها.. اللهم لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك».

🔳 منذ تلك اللحظة، انقسمت ردود الأفعال بين من رأى في الدعاء (انحرافاً مذهبياً)، ومن اعتبره (رسالة سياسية)، وبين من دافع عنه بوصفه تعبيراً طبيعياً عن محبة آل البيت.

لكن السؤال الأهم: هل يستحق الأمر كل هذا الغضب؟

🔳 لفهم ما جرى، لا بد من استحضار طبيعة التدين المصري، الذي لم يكن يومًا أسيراً للثنائيات الحادة (سني- شيعي)، بل تشكل عبر قرون من التفاعل التاريخي، من بينها إرث الدولة الفاطمية، الذي ترك بصمات ثقافية وروحية لا يمكن إنكارها.

التوسل بآل البيت، وزيارة مقاماتهم، والتبرك بذكرهم، كلها ممارسات موجودة في الوجدان الشعبي، دون أن تعني بالضرورة تبني عقيدة شيعية.. وبالتالي، فإن إخراج الدعاء من سياقه الثقافي، وإعادة تصنيفه كـ(اختراق مذهبي)، يعكس قراءة متعجلة أكثر مما يعكس واقعاً فعليا.

🔳 الجزء الآخر من الجدل ذهب إلى تفسير الخطبة باعتبارها رسالة سياسية موجهة إلى دول الخليج، أو إشارة إلى تموضع إقليمي جديد.. وفي تصوري أن هذه القراءة، رغم جاذبيتها، تظل أقرب إلى الإفراط في التأويل؛ فالدولة المصرية، تاريخيا، تعتمد سياسة توازن دقيقة، تتجنب الانخراط في صراعات مذهبية، وتُبقي قراراتها في إطار المصالح لا الشعارات.

أما عبارة: «لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم»، فهي أقرب إلى دعاء بالاستغناء والكرامة، يمكن أن يقال في أي سياق وطني، دون ضرورة ربطه بطرف بعينه.

🔳 المثير للانتباه أن الأزمة الحقيقية لم تكن في الخطبة، بل في ردود الأفعال عليها، ما يؤشر إلى هشاشة في الخطاب العام، واستعداد سريع للانزلاق إلى الاستقطاب، حتى في غياب أسبابه الحقيقية.. ومن المؤسف أن يكون هذا ملخص ردود الأفعال بعد تنقيتها من البذاءات والسفالات:

– تخوين واتهامات بتغيير هوية مصر

– هجوم متبادل بين تيارات وشعوب عربية

– سخرية جارحة مست الرموز الدينية

– استدعاء خطاب طائفي غريب عن المجتمع المصري.

🔳 الخلاصة أن ما حدث لا يعكس تحولا مذهبيا في مصر، ولا إعلاناً سياسياً صريحا، بل هو نموذج لكيف يمكن لعبارة واحدة أن تتحول إلى أزمة، حين تُقرأ بعين مشحونة بالتوجس.. والمخجل أن بعض ردود الفعل لم تكتفِ بالنقد، بل ساهمت في خلق فتنة غير موجودة، واستيراد صراعات لا تنتمي إلى طبيعة المجتمع المصري.

– في النهاية، يبقى الدعاء (بغض النظر عن خلفيته) تعبيرا عن أمنية مشروعة تتمثل في أن تبقى الأوطان عزيزة، لا تحتاج إلا إلى نفسها.. اللهم لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك، واحفظها وأهلها من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

🔳 رؤية تحليلية بقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى