Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقال رئيس التحريرمقالاتمميز

غربة العقول .. وجريمة المثقف الانتهازي!!

■ بقلم/ الدكتور محمود عزالدين 

– يعد الفيلسوف المصري عبدالرحمن بدوي (مواليد دمياط 1917م) واحدا من أبرز العقول الفلسفية التي أنجبتها الثقافة العربية الحديثة؛ إذ ترك تراثا فكريا ضخما قارب مائتي كتاب بين التأليف والترجمة والتحقيق والنقد والتأريخ للفلسفة، حتى اعتبره عميد الأدب العربي طه حسين أثناء مناقشة رسالته للدكتوراه: «أول فيلسوف مصري».. وكانت تلك الشهادة المبكرة اعترافا بقيمة مشروع فكري استثنائي، جمع بين الفلسفة الوجودية والتراث العربي والإسلامي، في آن معا.

💠💠💠💠

● بقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين 

💠💠💠💠

– ارتبط اسم عبدالرحمن بدوي بالفلسفة الوجودية، ليس بوصفها مذهبا فكريا فحسب، بل باعتبارها تجربة إنسانية تتصل بأسئلة الحرية والاختيار والمسؤولية والاغتراب، لذلك بدت حياته الشخصية امتدادا لرؤيته الفلسفية؛ فقد عاش كثيرا من سنوات عمره بعيدا عن وطنه، واختبر مرارة الغربة بكل أبعادها الفكرية والإنسانية.

– في مقالة مهمة للكاتب والشاعر فاروق جويدة، توقف عند شهادة عبدالرحمن بدوي في عصره ومثقفيه؛ إذ رأى بدوي، كما فهم جويدة من تجربته، أن الكارثة لا تكمن فقط في فساد السلطة، بل في ذلك المثقف الذي يبيع استقلاله الفكري، مقابل منصب أو مكسب أو نفوذ عابر.. وهنا تتحول الثقافة من رسالة تنويرية إلى أداة للتبرير والتزييف، ويصبح أهل الثقة بديلاً عن أهل الخبرة، ويتقدم الانتهازيون إلى الواجهة، بينما يجري إهدار الكفاءات الحقيقية، وتهميش المواهب القادرة على البناء والتجديد.

– في هذا السياق، تبرز إحدى القضايا التي جسدتها حياة عبدالرحمن بدوي نفسها؛ فالغربة ليست دائما أن يعيش الإنسان بعيدا عن وطنه، وإنما أن يعيش صاحب الفكر غريبا داخل وطنه، غير قادر على إيجاد المكانة، التي تليق بعلمه وإبداعه.. إنها الغربة التي يشعر بها المبدع، حين يرى أصحاب الكفاءة يتراجعون، بينما يتسلق المشهد من يجيدون صناعة الولاءات، أكثر من صناعة المعرفة !!

– لعل القيمة الكبرى في تجربة بدوي أنه لم يكن مجرد ناقد لهذه الظواهر، بل كان نموذجا للمثقف المستقل، الذي تمرد على السائد، وخاض معارك فكرية متعددة في الدين والشعر والثقافة والفلسفة، ثم انتهى إلى رؤى أكثر عمقا واتساعا، تجمع بين العقل الفلسفي والتأمل الروحي والنزعة الإنسانية، ولهذا بقيت سيرته شاهدا على رحلة عقل عربي كبير، لم يتوقف عن البحث والسؤال والمراجعة.

– إن عبدالرحمن بدوي لا يمثل فقط صفحة مضيئة في تاريخ الفلسفة العربية، بل يمثل أيضا تحذيرا دائما من خطورة إقصاء أصحاب الخبرة والمعرفة، ومن تحول الثقافة إلى وسيلة للارتقاء الشخصي على حساب الحقيقة.. وما تزال رسالته الأكثر إلحاحا أن الأمم لا تنهض إلا حين تكرم أصحاب الكفاءة، وتمنح المفكرين والمبدعين حقهم في التعبير والاختلاف، بعيدا عن حسابات المصالح والانتهازية.. ومن هنا تظل غربته الفكرية رمزا لمعاناة كثير من العقول العربية التي دفعت ثمن استقلالها، لكنها ظلت أكثر بقاءً وتأثيرا من كل المناصب الزائلة !!

عبدالرحمن بدوي

مراجع مقترحة:

(1)- سيرة حياتي، عبدالرحمن بدوي.

(3)- الزمان الوجودي، عبدالرحمن بدوي.

(3)- موسوعة الفلسفة، عبدالرحمن بدوي.

● اللوحة المرفقة للفنان التشكيلي السريالي القدير الدكتور صالح البرص

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى