Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أدب وثقافةملفات

حافظ القطيبي وقراءة يمنية في كتاب نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة للمؤلف حاتم الجوهري 

في إطار المتابعة المستمرة التي يوليها (شارع الصحافة) برئاسة تحرير الكاتب الصحفي والإعلامي الدكتور محمود عبد الكريم عزالدين لأبرز الإصدارات الفكرية والمعرفية التي تسهم في إثراء الحراك الثقافي العربي، يواصل كتاب (نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة: من جيوسياسي القرن الـ20 إلى جيوثقافي القرن الـ21) للدكتور حاتم الجوهري جذب اهتمام الباحثين والنقاد والمفكرين داخل مصر وخارجها، بوصفه أحد المشاريع الفكرية الطموحة التي تسعى إلى إعادة قراءة العلاقات الثقافية والحضارية العربية في ضوء التحولات العالمية المعاصرة.

وقد تجلى هذا الاهتمام من خلال الندوات والقراءات النقدية المتعددة التي تناولت الكتاب خلال الفترة الأخيرة، حيث شهدت مكتبة مصر العامة بالقاهرة ندوة موسعة حول الكتاب في نهاية شهر أبريل الماضي، أعقبتها ندوة إقليمية نظمها المعهد العالمي للتجديد العربي عبر شبكة الإنترنت الأسبوع الماضي، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين العرب.

وفي السياق ذاته، نشرت مجلة (آفاق التجديد) خلال شهر يونيو الجاري قراءة نقدية مهمة للكتاب بقلم الكاتب والباحث اليمني الدكتور حافظ قاسم القطيبي تحت عنوان: (استعادة الذات العربية في قرن الجيوثقافي.. قراءة في نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة)، حيث سعى من خلالها إلى استكشاف الأبعاد الفكرية والمعرفية التي يطرحها المؤلف، ورصد ما تحمله النظرية من إمكانات لإعادة بناء الوعي العربي على أسس ثقافية وحضارية تتجاوز الحدود التقليدية للجغرافيا السياسية، وتؤسس لفهم جديد للعلاقات العربية في القرن الحادي والعشرين.

د. حافظ القطيبي

وقد جاء في هذه المقالة ما يلي:

استعادة الذات العربية في (قرن الجيوثقافي)

قراءة في (نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة)

د. حافظ قاسم القطيبي

باحث وأكاديمي- اليمن، عدن

صدر في مطلع العام 2026 عن دار ودار مشكاة للطبع والنشر والتوزيع بالقاهرة؛ كتاب مهم يمثل حجر زاوية في الفكر العربي المعاصر، وهو كتاب:”نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة: من جيوسياسي القرن الـ20 إلى جيوثقافي القرن الـ21″ ، للدكتور حاتم الجوهري، يأتي هذا العمل المذيل بعنوان فرعي تطبيقي: مقاربة في السياسات الخارجية لاستعادة الأمن القومي لجغرافيا الذات العربية”، ليكون الكتاب الرابع في مشروع الدكتور الجوهري، بعد إصداره لكتاب: (الدبلوماسية الثقافية البديلة)، وكتاب: (مدرسة الدراسات الثقافية العربية المقارنة)، وكتاب: (السياسة الثقافية الثالثة)، وهو مشروع يهدف إلى إعادة تأسيس القوة الناعمة العربية في القرن الحادي والعشرين.

ينطلق المؤلف من فرضية مفادها أن القرن العشرين كان قرن الجغرافيا السياسية، بينما يفرض القرن الحادي والعشرون نفسه كقرن لـ “الجغرافيا الثقافية”، ويرى الدكتور الجوهري أن هذا التحول ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو”ضرورة وجودية” يسعى لاستعادة السيادة المفقودة لـ “الذات العربية” في عالم يعاد تشكيله وفق صراعات الهوية والسرديات الكبرى؛ إذ لم تعد الهزيمة الحضارية تبدأ باختراق الحدود السياسية، بل بتزعزع “الحدود الثقافية”.

تفكيك “التعالق الثقافي” والتحرر من سجون النظريات

تكمن الأهمية المركزية لهذا العمل في كونه محاولة جادة لتفكيك ما يسميه المؤلف “سجون النظريات الجغرافية الغربية”، التي حاصرت الوعي العربي وسياساته العليا لعقود، وهيمنت عليه وجعلته رد فعل لها. فعلى مدار عقود طويلة، ظل الوعي العربي أسيراً لنظريات (ماكيندر، وماهان، وسبيكامن) التي صُممت لخدمة المركزية الغربية وتفتيت الجغرافيا العربية إلى مجرد “تضاريس” صامتة أو مصدر للموارد البحتة وطرق التجارة وممراتها في خرائط القوى الكبرى. ويرى المؤلف أن هذه النظريات قامت على تبرير الهيمنة الغربية أو الأوراسية، بينما قلدتها بلدان العالم من دون قدرة على تكييفها مع خصوصيتها.

يطرح الدكتور الجوهري مفهوم “التعالق الثقافي” لوصف حالة التبعية المستمرة لنظام قيمي مصدره الآخر، مع افتقاد الإرادة لإنتاج بديل يتوافق مع الخصوصية الذاتية. ويعيد الكتاب جذور هذا التعالق إلى “المسألة الأوروبية” ووهم “الحضارة المطلقة”، التي ترى في الذات الغربية ذروة التطور البشري وما دونها مجرد “هوامش” يجب أن تدور في فلكها.

  ومن هنا، يهدف هذا الكتاب إلى إحداث عملية “فك تعالق” معرفي، وزرع “عقل استراتيجي مبصر” في جسد الهوية الثقافية ليصنع منها درعاً وسردية كبرى ترفض الهيمنة، ومنطلقاً لفعل سياسي يفرض شروطه على الأرض، كما يفرضها في عقول أبنائه. إذ يرى الجوهري “إن امتلاك الخريطة/الجغرافيا دون امتلاك الوعي بالذات/الثقافة هو تسليمٌ طوعي بمصير مظلم، لا نملك فيه إلا التباكي على الأطلال والحنين لما مضى وولى دون رجعة”.

إعادة تعريف الأمن القومي: الثقافة كـ “متن سيادي”

يقدم الكتاب رؤية غير تقليدية لمفهوم لأمن القومي؛ إذ يعيد تعريفه متجاوزاً المفهوم العسكري التقليدي الضيق. فالأمن القومي في نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة هو “نسق ثقافي شامل” يدمج بين القوى الناعمة (السردية والثقافة) والقوى الخشنة (العسكرية والاقتصادية). ويرى المؤلف أن القوة العسكرية بدون سردية ثقافية رابطة تظل قوة “مبتورة” وسهلة الاختراق.

إن الثقافة هنا ليست عنصراً تجميلياً أو أداة تابعة للقوة الخشنة كما طرح (جوزيف ناي) بل هي “المتن السيادي” والمادة اللاصقة التي يقوم عليها البناء السياسي للدول. ويطرح الكتاب فرضية تفسيرية محورية وهي: “إذا تفككت الجغرافيا الثقافية، فإن الجغرافيا السياسية تتفجر وتتحلل بالتبعية.. ويتمدد الآخر بجغرافيته الثقافية وسرديته شاغلاً هذا التآكل والتفجر”. فالسقوط الحقيقي للدول يبدأ ثقافياً قبل أن ينهار سياسياً وعسكرياً، وهو ما يفسر تحول بعض البلدان العربية إلى “تضاريس باهتة” في مشاريع القوى الكبرى، وتصبح فريسة لمشاريع إقليمية أو دولية أخرى.

الجغرافيا الثقافية كأساس للنهوض

يصوغ المؤلف مصطلح “الجغرافيا الثقافية الرابطة” ليميز طرحه عن الاستخدامات الغربية السطحية أو الوصفية لهذا العلم، ففي حين يرى الغرب الجغرافيا الثقافية كمجال لدراسة الفنون والمناظر الطبيعية كـ “هوامش”، يراها الجواهري كـ”متن استراتيجي” وهوية مكانية تمثل الأساس الذي تُقام عليه شرعية الدولة وشكلها السياسي. هذه الجغرافيا هي التي تحفظ “مستودع الهوية” المكوّن من طبقات تاريخية متراكمة ومتعايشة.

خارطة الطريق: استراتيجية الجغرافيات الثلاث

لا يكتفي المؤلف بالتنظير وإنما يقدم “خارطة طريق” إجرائية لاستعادة المتن العربي تقوم على “استراتيجية الجغرافيات الثلاث”، وهي مسار منهجي لاستعادة المتن العربي في مواجهة السرديات الإقليمية والدولية، ويقوم على ترتيب الأولويات في السياسيات الخارجية:

1. الجغرافيا الثقافية أولاً: تبدأ بتفعيل المشترك الثقافي وبناء سردية جامعة تلم الشتات العربي وتؤسس للمتن العربي الجديد، وهي المنصة التي ينطلق منها الفعل الاستراتيجي.

2. الجغرافيا الاقتصادية ثانياً: الانتقال من المشترك الثقافي إلى تكامل الموارد وتبادل المصالح المادية. وتحويل المشترك الناعم إلى واقع “خشن” ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.

3. الجغرافيا السياسية ثالثاً: الوصول إلى التنسيق السياسي والدفاعي الصلب كتحصيل حاصل للنجاح في المستويين السابقين، مما يحول الشتات الجيوسياسي إلى “كتلة وازنة” قادرة على فرض شروطها.

مشروع “الكتلة الجيوثقافية الثالثة”: نحو توازن عالمي جديد

يتجاوز طموح الكتاب النطاق الإقليمي ليطرح مشروعاً عالمياً هو “الكتلة الجيوثقافية العالمية الثالثة” (العربية الإسلامية الجنوبية). يرى المؤلف أن مشكلة البشرية اليوم تكمن في “وهم الحضارة المطلقة” التي تحاول المركزية الغربية أو المركزية الشرقية (الأوراسية/الصينية) فرضها على العالم.

ومن هنا، تبرز الذات العربية كقلب لهذه الكتلة الثالثة الضابطة للتوازن، والتي تؤسس لـ “التنوع والتداول الحضاري”، بعيداً عن أشكال الهيمنة. ويطرح الكتاب “مصر” كمركز محتمل لهذه الكتلة نظراً لمرونة جغرافيتها الثقافية وطبقات هويتها المتراكمة التي تسمح لها باستيعاب التنوع وإدارة التناقضات الإقليمية.

حرب غزة ككاشف جيوثقافي

يخصص الكتاب مساحة واسعة لتحليل “حرب غزة”، معتبراً إياها لحظة “انفجار للجغرافيا الثقافية” وتمردها على الواقع الجيوسياسي التقليدي. يرى الجوهري أن عملية “طوفان الأقصى” أعادت الاعتبار للسردية العربية في مواجهة سردية النفي والإزاحة الصهيونية. كما يحلل الكتاب صراع السرديات، كاشفاً عن “خطابات الاستلاب” العربية التي حاولت تبرير الهزيمة أو التماهي مع الرواية الغربية تحت ستار العقلانية والموضوعية.

تحديات التطبيق (الواقعية الاستراتيجية)

لم يغفل الكتاب استشراف العقبات البنيوية التي تعترض مسار “الجغرافيا الثقافية الرابطة” وحددها في أربعة تحديات جوهرية: تحدي إدارة التناقضات الداخلية في مستودع الهوية العربي لضمان تحول التنوع من ثغرة للاختراق إلى قوة دفع. والتحدي الهيكلي المرتبط بمقاومة البيروقراطيات السياسية والأمنية لفكرة التنازل عن السيادات القطرية الضيقة لصالح سيادة جيوثقافية كلية. والتحدي المعرفي المتمثل في “التوقيف الفكري” والأسر الأيديولوجي لتخب القرن العشرين، وأخيراً التحدي الإقليمي المتمثل في حِدّة “حروب السرديات” مع المشاريع المنافسة (الإيرانية، التركية، الصهيونية، والأثيوبية) التي تمددت بالفعل في الفراغ الجيوثقافي العربي.

خاتمة القول، إن كتاب “نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة” يمثل دعوة لـ “السيادة المعرفية”؛ فهو يؤكد أن التحرر الحقيقي يبدأ من امتلاك “المعنى” وبناء السردية الذاتية. إنه عمل يضع النخب العربية وصانعي القرار أمام مسؤوليتها التاريخية: فإما القبول بالبقاء “هوامش” في صراعات الآخرين، أو الشروع في بناء “الكتلة الثالثة” التي تعيد للعرب مكانتهم في صياغة مستقبل البشرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى