كتبت- إيمان عبد العزيز
لم تعد قيمة الندوات الثقافية تقاس بكونها مناسبة عابرة أو حدثًا ينتهي بانتهاء فعالياته، بل بما تثيره من أسئلة وما تفتحه من آفاق جديدة لإعادة قراءة التاريخ والفكر. وفي هذا السياق، استضافت مكتبة القاهرة الكبرى ندوة فكرية سلطت الضوء على أحد أهم الجوانب المنسية في تاريخ النهضة العربية، وهو الدور الذي لعبه الرحّالة العرب في اكتشاف أوروبا وصياغة رؤية عربية مبكرة للغرب.
الندوة ناقشت كتاب «الرحّالة العرب واكتشاف أوروبا… بدايات الاستغراب (1825-1920)» للدكتورة رندة صبري، أستاذة النقد الأدبي بقسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، بحضور الدكتور عماد أبو غازي، وزير الثقافة الأسبق، والكاتب والناقد الدكتور وليد الخشاب، وبرعاية الفنان الدكتور أيمن الشيوي، رئيس قطاع المسرح، وإشراف الكاتب يحيى رياض يوسف، مدير عام مكتبة القاهرة الكبرى، فيما أدارت الحوار الناقدة دينا قابيل.
وتناول المشاركون أهمية الكتاب باعتباره محاولة علمية لإعادة قراءة أدب الرحلات العربي بوصفه مشروعًا معرفيًا أسهم في تشكيل الوعي العربي الحديث، ولم يكن مجرد تسجيل لمشاهدات شخصية أو انطباعات سياحية. فالرحّالة العرب الذين قصدوا أوروبا خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين نقلوا إلى القارئ العربي صورة مباشرة عن التحولات العلمية والثقافية والاجتماعية التي شهدها الغرب، مقدمين رؤية نقدية متوازنة بعيدًا عن الانبهار المطلق أو الرفض المسبق.
ويستعرض الكتاب تجارب عدد من أبرز أعلام النهضة العربية، وفي مقدمتهم رفاعة رافع الطهطاوي، والشيخ عياد الطنطاوي، وفارس الشدياق، وعلي باشا مبارك، وأمين فكري، وحسن توفيق العدل، الذين شكلت رحلاتهم وثائق معرفية أسهمت في نقل الخبرات والتجارب الأوروبية إلى العالم العربي، وكانت من بين اللبنات الأولى لما يعرف اليوم بـ«الاستغراب»، أي دراسة الغرب من منظور عربي.
وأكدت المناقشات أن أدب الرحلات يمثل أحد أهم المصادر التاريخية والفكرية لفهم بدايات النهضة العربية، إذ لم يقتصر على وصف المدن والعادات، بل قدم تحليلات نقدية للمجتمعات الأوروبية، وساهم في فتح أبواب الحوار الحضاري، ونقل الخبرات العلمية والإدارية والثقافية، بما انعكس على حركة التحديث في العالم العربي.
واختتم المشاركون بالتأكيد على أن الكتاب يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية، لأنه يعيد الاعتبار إلى تراث الرحّالة العرب، ويبرز إسهاماتهم في بناء جسور التواصل بين الشرق والغرب، وفي تشكيل الوعي العربي الحديث، مؤكدين أن إعادة قراءة هذا التراث أصبحت ضرورة لفهم جذور مشروع النهضة العربية واستعادة قيم الانفتاح والمعرفة التي أسس لها هؤلاء الرواد.