Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
فنونمقال رئيس التحريرمميز

كهنوت النقد الفني الأكاديمي .. والتفكير خارج الصندوق !!  

🔳 ظل سؤال العلاقة بين الفن والتخصص واحدا من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في الأوساط الثقافية والفنية.. والمقصود: هل يشترط- لكي نفهم لوحة فنية أو نفسر عملا تشكيليا- أن نكون دارسين للنقد أو خريجي كليات الفنون؟ وهل تصبح القراءة الفنية باطلة إذا صدرت عن متذوق بسيط يمتلك حسا إنسانيا وخيالا حيا؟ أم أن الفن في جوهره لغة مفتوحة تتجاوز الأسوار الأكاديمية، والاصطلاحات النقدية المعقدة؟

💠💠💠💠

رؤية تحليلية بقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين 

💠💠💠💠

(1)- الحقيقة أن التخصص يمنح أدوات مهمة بلا شك؛ فهو يفتح الباب لفهم المدارس الفنية، وتاريخ اللون، وتقنيات التكوين، والرموز البصرية، وسياقات العمل الثقافية والفلسفية.. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التخصص إلى سلطة مغلقة، أو إلى نوع من (الكهنوت الثقافي)، الذي يحتكر حق الفهم والتأويل، وكأن اللوحة لا يجوز الاقتراب منها إلا عبر قاموس نقدي شديد التعقيد !!!

(2)- الفن في الأصل لم يولد داخل قاعات الجامعات، بل خرج من الإنسان نفسه؛ من دهشته الأولى أمام الطبيعة، ومن حاجته للتعبير عن الخوف والحب والحلم والذاكرة.. لذلك فإن المتلقي العادي قد يلتقط أحيانا جوهر العمل الفني، بصورة أكثر صدقا وعفوية من ناقد مثقل بالمصطلحات والنظريات.

(3)- هنا تبرز فكرة (التفكير خارج الصندوق)، وهي الفكرة التي تقوم على التحرر من القوالب الجاهزة والأنماط التقليدية في الفهم، فالكثير من التحولات الكبرى في الفكر والفن لم يصنعها أشخاص سلكوا المسارات المعتادة، بل أولئك الذين امتلكوا الجرأة على النظر إلى الأشياء من زاوية مختلفة.. أقول هذ الكلام لإدراكي أن الفنان الحقيقي نفسه غالبا ما يكون متمردا على القواعد السائدة، ولذلك يبدو غريبا أن نطالب المتلقي بأن يظل أسيرا لقواعد جامدة لفهم هذا الفن المتمرد !!

(4)- في اعتقادي أن القراءة الحرة للعمل الفني ليست جريمة، بل قد تكون مدخلا لاكتشاف معان جديدة، لم ينتبه إليها النقاد أنفسهم.. فالفن ليس معادلة رياضية ذات حل واحد، بل مساحة مفتوحة للتأويل والإحساس، والتفاعل النفسي والوجداني. ومن هنا فإن قيمة المتلقي لا تتحدد بشهادته الأكاديمية، وإنما بقدرته على الرؤية والتأمل وربط التفاصيل بالأفكار الكبرى.

(5)- هذا يقودنا إلى مفهوم المبدأ الأول (First Principle) في الفلسفة؛ أي العودة إلى الجذور الأساسية للأشياء، بعيدا عن التراكمات المعقدة.. فعندما نتعامل مع الفن انطلاقا من «المبدأ الأول»، فإننا نسأل: لماذا وُجد هذا العمل أصلا؟ ماذا أراد الفنان أن يشعرنا به؟ ما الفكرة الإنسانية الكامنة خلف اللون والخط والظل؟ هنا يصبح الفن فعلا إنسانيا قبل أن يكون موضوعا أكاديميا.

(6)- من المؤسف أن كثير من المدارس النقدية الحديثة وقعت في فخ الإفراط في التنظير، حتى بدا النقد أحيانا أكثر غموضا من اللوحة نفسها، وتحول بعض النقاد إلى منتجين للنصوص المغلقة التي تحتاج بدورها إلى من يشرحها.. مع العلم أنه في هذه اللحظة يفقد النقد جزءًا كبيرا من وظيفته الأساسية، لأنه بدلا من أن يقرب الفن إلى الناس، يعزلهم عنه ويجعلهم يشعرون أن الفن منطقة نخبوية محرمة على غير المتخصصين !!

(7)- ثقتي ويقيني أن النقد الحقيقي لا ينبغي أن يكون استعراضا للمصطلحات، بل جسرا بين العمل الفني والمتلقي.. والناقد الناجح ليس من يكتب أكثر النصوص تعقيدا، بل من يستطيع أن يكشف روح العمل بلغة عميقة وواضحة في آن معا.. فالقيمة ليست في الغموض، وإنما في القدرة على الإضاءة والكشف والتفسير دون قتل الدهشة.

(8)- ولهذا فإن الفن يحتاج إلى التخصص، لكنه لا يجب أن يُختزل فيه.. يحتاج إلى الدراسة، لكن ليس على حساب الحس الإنساني الفطري.. فكم من متذوق بسيط استطاع أن يقرأ لوحة بصدق نافذ، وكم من خطاب أكاديمي طويل أخفى الفن بدلا من أن يكشفه !!

(9)- إن أعظم الأفكار غالبا تبدأ من سؤال بسيط، وأعظم الاكتشافات تأتي أحيانا من عقل لم يتقيد بالكامل بالقواعد الموروثة.. وكذلك الفن؛ يبقى حيا عندما يظل مفتوحا للجميع، لا حين يتحول إلى لغة مغلقة لا يفهمها سوى المتخصصين… حضرات السادة الكرام؛ إن الفن لا يحتاج إلى (كهنوت أكاديمي)؛ فالإبداع يعتمد بالأساس على الشغف، والتجربة الذاتية، والخيال.

(10)- نعم، الأكاديميا تقدم إطاراً علمياً، وتختصر الوقت لصقل المهارات، وقراءة تاريخ الفن.. لكنها لا تصنع فناناً حقيقياً بمفردها، إن لم تكن موهبة فطرية موجودة، ولا يغيب عن الأذهان أن الفن في جوهره تعبير حر ينبع من الوجدان ولا تحده قواعد ثابتة؛ فالكثير من عمالقة الفن عبر التاريخ كانوا مبدعين وفنانين بالفطرة، دون حصولهم على شهادات عليا في الفنون.

(11)- الأكاديمي الحقيقي يجب أن يستوعب أن أعظم ما يميز المعرفة الحديثة هو احترام (البينية) بين العلوم، أي التداخل الخلاق بين الفن والإعلام والفلسفة وعلم النفس والاجتماع وتحليل الخطاب، وسواها من الحقول المعرفية.. بمعنى أن الفنون التشكيلية ليست جزيرة معزولة، ولا النقد الأكاديمي كهنوتا مغلقا يحتكر الفهم والتفسير !!

🔳 الخلاصة أن الإبداع أوسع من أن نحبسه داخل تخصص واحد، وأرحب من أن يتحول إلى ناد للنخبة وحدها؛ لذلك فمن الحكمة أن يدرك بعض النقاد أنهم ليسوا اللاعبين الوحيدين في ميدان الفن، وأن قيمة أي قراءة فنية لا تقاس بكمّ المصطلحات الثقيلة، بل بقدرتها على الإضاءة والتفسير، وفتح آفاق جديدة للفهم والجمال.

💠💠💠💠

بقلم:

الدكتور محمود عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى