– في مقالته «شباك تذاكر من أجل المسرح العراقي»، يطرح الناقد والمخرج التلفزيوني والشاعر العراقي رضا المحمداوي إشكالية تتجاوز حدود التمويل المسرحي، لتلامس جوهر العلاقة بين المسرح والمجتمع. فالمقالة لا تنظر إلى شباك التذاكر باعتباره وسيلة لتحصيل الإيرادات فقط، وإنما بوصفه مقياساً حقيقياً لحضور المسرح في الوعي الجمعي وقدرته على استقطاب جمهوره الطبيعي.
– ينطلق الكاتب من حقيقة أن العرض المسرحي عملية إنتاجية معقدة تتطلب إمكانات مادية وبشرية كبيرة، ما يجعل البحث عن موارد مستدامة أمراً ضرورياً لضمان استمرار الحركة المسرحية. غير أن السؤال المركزي الذي يهيمن على المقالة هو: هل ما يزال المسرح العراقي يمتلك جمهوراً يرى فيه حاجة ثقافية وجمالية تستحق السعي إليها، أم أنه أصبح نشاطاً نخبوياً يدور في دائرة ضيقة من المشتغلين به والمتابعين لشؤونه؟
– تكشف المقالة عن وعي نقدي بأزمة التلقي المسرحي في العراق، حيث يشير المحمداوي إلى أن مجانية العروض لم تنجح في خلق قاعدة جماهيرية واسعة، بل تزامنت مع انحسار تأثير المسرح أمام متغيرات اجتماعية وثقافية وتقنية كبرى فرضتها وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الرقمي. وهكذا وجد المسرح نفسه في مواجهة منافسة شديدة على انتباه الجمهور ووقته واهتماماته.
– تبرز أهمية المقالة في تشخيصها لمعضلة الإنتاج الريعي الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على التمويل الحكومي. فغياب الحاجة إلى العائد الجماهيري جعل كثيراً من العروض تنشغل بالإنتاج أكثر من انشغالها بالتسويق وبناء جمهور مستدام. كما أن محدودية أيام العرض وانحصارها في مسارح العاصمة أسهما في تضييق دائرة التلقي وحصر النشاط المسرحي في نطاق جغرافي وثقافي محدود.
– من منظور أعمق، يدعو المحمداوي إلى إعادة التفكير في مفهوم النجاح المسرحي نفسه. فالقضية ليست إنتاج عروض جديدة فحسب، بل خلق علاقة حقيقية بين المسرح والمجتمع، علاقة تجعل الجمهور شريكاً في العملية الثقافية لا متلقياً عابراً أو ضيفاً موسمياً. فالمسرح لا يحقق رسالته بمجرد وجوده على الخشبة، وإنما بقدرته على استعادة مكانته داخل الحياة اليومية للناس.
– بهذا المعنى، تتحول المقالة إلى دعوة صريحة لمراجعة البنية الثقافية والإدارية للمسرح العراقي، والانتقال من منطق الدعم والاستهلاك إلى منطق الاستدامة والتفاعل المجتمعي. وهي دعوة تنطلق من إيمان عميق بأن أزمة المسرح ليست أزمة نصوص أو مخرجين أو ممثلين، بل أزمة جمهور يبحث المسرح عن طريق العودة إليه.