– شهدت الثقافة الإنسانية خلال العقود الأخيرة تحولاً عميقاً في مفهوم السلطة الجمالية والمعرفية.. فإذا كان الناقد الأدبي أو التشكيلي في الأزمنة السابقة يحتل موقع «الوصي» الذي يمنح شرعية الوجود للنصوص والأعمال الفنية، فإن المشهد الراهن يكشف عن ولادة متلق جديد، يمتلك من أدوات المعرفة والتواصل ما يجعله شريكاً في إنتاج المعنى، لا مجرد مستهلك له.
💠💠💠💠
● رؤيةتحليلية بقلم:
د.محمود عبد الكريم عزالدين
💠💠💠💠
(1)- لقد انتهى عصر (صكوك الغفران النقدية)، التي كانت تمنحها بعض المؤسسات الثقافية، وبدأ عصر آخر تتحدد فيه قيمة العمل بقدرته على الإقناع والتأثير والتفاعل، لا بمدى قربه من حراس المعابد الأكاديمية أو المقابر الثقافية، التي تراكم فوق مصطلحاتها غبار الزمن !!
(2)- في الفنون التشكيلية على وجه الخصوص، تبدو هذه التحولات أكثر وضوحاً؛ فقد كان المتلقي في مراحل طويلة يقف أمام اللوحة بوصفه متلقياً سلبياً ينتظر من الناقد أن يخبره بما يجب أن يراه، وكيف ينبغي أن يفهم العمل الفني.. أما اليوم فقد تغيرت المعادلة؛ إذ أصبح المشاهد يدخل إلى العمل مباشرة، ويتفاعل معه عبر خبراته البصرية والوجدانية والثقافية، مستعيناً بفضاءات رقمية واسعة تسمح له بالمناقشة والتأويل والمقارنة وإنتاج قراءاته الخاصة.
(3)- لقد تنبهت نظريات التلقي مبكراً إلى هذه الحقيقة؛ فقد أكد الناقد الألماني هانس روبرت ياوس أن العمل الفني لا يكتمل إلا عبر أفق انتظار المتلقي، بينما رأى فولفجانج إيزر أن النص أو العمل الفني يحتوي على فراغات مقصودة، لا تكتمل إلا بمشاركة القارئ أو المشاهد في ملئها.. ومن هنا لم يعد المعنى ملكية خاصة للمؤلف أو للناقد، بل أصبح نتاجاً لحوار مستمر بين العمل والمتلقي.
(4)- تكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة في الفنون التشكيلية المعاصرة، حيث لم تعد اللوحة مجرد موضوع للتفسير الأكاديمي المغلق، بل فضاءً مفتوحاً للتجربة البصرية، فالمتلقي أمام عمل تجريدي أو رمزي أو مفاهيمي لا يبحث عن معنى واحد ونهائي، وإنما يشارك في إنتاج شبكة من الدلالات المتحركة التي تتعدد بتعدد الخبرات والمرجعيات الثقافية.
(5)- لعل ما أشار إليه القاص والناقد محمد عبدالرحمن يونس ينسجم مع هذا التحول؛ إذ يرى أن المبدع الأكثر إقناعاً هو الذي يتيح للمتلقي مساحة حقيقية للمشاركة، وأن حياد الراوي وتخفيف نرجسية الذات الحاكية، يفتحان المجال أمام القارئ لكي يصبح ناقداً للنص لا مجرد متلق له.
(6)- يمكن إسقاط هذا التصور على الفنون التشكيلية أيضاً؛ فالفنان الذي يفرض تفسيراً واحداً على عمله يساهم في تضييق أفق التلقي، بينما الفنان القادر على إنتاج عمل غني بالإشارات والاحتمالات، يمنح المتلقي دوراً فاعلاً في صناعة المعنى.
(7)- لقد ساهمت الثورة الرقمية في تسريع هذا التحول، فوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية ومعارض الفن الافتراضية لم تكتف بعرض الأعمال الفنية، بل خلقت فضاءً نقدياً مفتوحاً تتجاور فيه الرؤية الأكاديمية مع الانطباع الشخصي والخبرة البصرية المباشرة. وأصبح من الممكن أن تكتسب لوحة أو تجربة تشكيلية حضورها العالمي بفضل قوة تأثيرها الجمالي، لا بفضل مباركة المؤسسات التقليدية وحدها.
(8)- غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية النقد المتخصص، أو سقوط قيمته المعرفية، فالناقد الحقيقي لا يقاس بقدرته على فرض الأحكام، بل بقدرته على كشف العلاقات الخفية داخل العمل الفني، وتوسيع أفق التلقي، وتقديم أدوات فهم جديدة تساعد الجمهور على رؤية ما قد يغيب عن النظر الأول.. وهكذا ينتقل النقد من موقع الوصاية إلى موقع الشراكة المعرفية.
(9)- إن التحدي الثقافي الراهن لا يتمثل في الصراع بين الناقد والجمهور، بل في بناء علاقة تكاملية جديدة بينهما، فالمتلقي التفاعلي يمتلك نبض التجربة الحية، بينما يمتلك الناقد المنهجي أدوات التحليل والتأويل.. وعندما يلتقي الطرفان داخل فضاء حواري مفتوح، يصبح الفن أكثر قدرة على إنتاج المعنى، وأكثر تحرراً من الأصنام الفكرية التي طالما احتكرت الحديث باسم الجمال.
🔳 في النهاية، يبدو أن السلطة الحقيقية لم تعد للأسماء الكبيرة، ولا للمصطلحات المتكلسة، بل للعمل الفني القادر على فرض حضوره بذاته، فالجمال الأصيل لا يحتاج إلى حارس يقف على بابه، ولا إلى وصي يمنح شرعية وجوده؛ لأن الأعمال العظيمة تملك دائماً قدرتها الخاصة على الوصول إلى الإنسان، مهما تبدلت المؤسسات وتغيرت الأزمنة !!
الدكتور محمود عزالدين
🟩🟩 🟩🟩
● مراجع مقترحة:
(1)- Toward an Aesthetic of Reception – هانس روبرت ياوس