كتبت- شادية يوسف :
تمثل المذكرات الدبلوماسية أحد أهم المصادر التي تكشف ما يدور خلف الكواليس في العلاقات الدولية، وتمنح القارئ فرصة نادرة للاطلاع على تجارب إنسانية ومهنية صاغتها سنوات طويلة من العمل والخبرة. وفي هذا السياق يأتي كتاب «36 عامًا حول العالم» للسفير محمود عزت، ليقدم شهادة حية على مسيرة دبلوماسية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، تنقل خلالها بين عدد من العواصم والدول في أفريقيا وآسيا وأوروبا والعالم العربي، مشاركًا في أحداث ومحطات سياسية وثقافية مهمة، وراصدًا تحولات دولية وإقليمية تركت بصماتها على العالم المعاصر.
الكتابة
يؤكد السفير محمود عزت أن الهدف من تأليف كتابه «36 عامًا حول العالم» هو توثيق مسيرته المهنية في السلك الدبلوماسي المصري، وقد أهدى هذا العمل إلى روح الدبلوماسي الراحل السفير الدكتور أسامة الباز، الذي كان له تأثير بالغ في تكوين جيل كامل من الدبلوماسيين من خلال محاضراته المتميزة بمعهد الدراسات الدبلوماسية خلال العام الأكاديمي 1979-1980.
ويستعرض المؤلف في مقدمة الكتاب ما تلقاه من دروس عملية ونظرية حول فنون التفاوض وآلياته مع مختلف المدارس السياسية والثقافية، مستعرضًا خصائص التفاوض مع الأطراف الدولية المختلفة، وما تتطلبه العملية التفاوضية من صبر وخبرة وقدرة على فهم طبيعة الطرف الآخر.
يقع الكتاب في ثمانية فصول أطلق عليها المؤلف اسم «محطات»، تمثل الدول والمناصب الخارجية التي شغلها خلال رحلته المهنية، ويسبقها فصل تمهيدي يتناول مرحلة الإعداد والتأهيل بمعهد الدراسات الدبلوماسية، ورحلة الدفعة التدريبية إلى فرنسا وبلجيكا وألمانيا، قبل بدء أولى مهامه الخارجية في سيراليون خلال الفترة من 1981 إلى 1985.
وتأتي المحطة الثانية في فرنسا، حيث عاش المؤلف واحدة من أكثر مراحل حياته ثراءً على المستويات الدبلوماسية والسياسية والثقافية، متابعًا الحركة الفكرية والفلسفية والفنية في بلد يعد من أهم مراكز الإبداع العالمي. كما أتاحت له هذه المرحلة الاحتكاك بأبناء الجالية المصرية من أكاديميين ومفكرين وفنانين ومهنيين مقيمين في باريس.
أما المحطة الثالثة فكانت في السنغال خلال الفترة من 1992 إلى 1995، حيث امتدت مهام السفارة المصرية لتشمل أيضًا كابو فيردي وجامبيا. وشهدت هذه المرحلة أحداثًا مهمة، من بينها مشاركة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في قمة مجموعة الـ15، إلى جانب الجهود الدبلوماسية المرتبطة بدعم ترشيح الأستاذ الدكتور أحمد فتحي سرور لرئاسة الاتحاد البرلماني الدولي، وما صاحب ذلك من تحركات واتصالات مكثفة على الساحة الأفريقية.
وفي المحطة الرابعة ينتقل المؤلف إلى الفلبين بين عامي 1996 و1998، وهي أول تجربة آسيوية له، حيث أتيحت له فرصة التعرف على حضارة وثقافة مختلفة، إلى جانب القيام بدوره في تعزيز العلاقات الثنائية ونقل صورة مصر الحضارية إلى المجتمع الفلبيني.
أما المحطة الخامسة فكانت في مملكة البحرين خلال الفترة من 1998 إلى 2000، وهي أول تجربة له في منطقة الخليج العربي، حيث يرصد ملامح المجتمع البحريني وتطوراته، وما تتمتع به المملكة من مكانة متميزة في محيطها الخليجي والعربي.
وفي المحطة السادسة يتناول فترة عمله نائبًا للسفير المصري في السودان من عام 2001 إلى 2003، وهي من أكثر التجارب أهمية في مسيرته المهنية، نظرًا لما تمثله السودان من عمق استراتيجي وتاريخي لمصر، وما أتاحته هذه المهمة من فهم أعمق لطبيعة العلاقات بين البلدين.
ثم يعود المؤلف إلى سيراليون في المحطة السابعة، ولكن هذه المرة سفيرًا فوق العادة ومفوضًا خلال الفترة من 2004 إلى 2009، ليستعيد ذكريات المكان من منظور مختلف، بعدما انتقل من بدايات العمل الدبلوماسي إلى موقع القيادة والمسؤولية، مؤكدًا أن التجربة الثانية لا يمكن أن تكون تكرارًا للأولى، مستلهمًا مقولة الفيلسوف اليوناني هرقليطس: «لا يمكن أن تضع قدمك في النهر نفسه مرتين».
وتختتم الرحلة بالمحطة الثامنة والأخيرة سفيرًا فوق العادة ومفوضًا لدى بنجلاديش خلال الفترة من 2011 إلى 2016، حيث يسلط الضوء على تجربته في جنوب آسيا وما شهدته من تحديات وفرص دبلوماسية وثقافية متنوعة.
كما يضم الكتاب فصلًا ختاميًا يستعرض مشاركاته ممثلًا لمصر في العديد من المؤتمرات والندوات الدولية بصفته موفدًا من إدارة الشؤون القانونية والمعاهدات، وشملت هذه المشاركات دولًا عدة، من بينها سويسرا، وأوغندا، وإيطاليا، وغانا، وإثيوبيا، والولايات المتحدة الأمريكية، والبرازيل، والنمسا، وإسرائيل.
وقد أرفق المؤلف كتابه بمجموعة من الصور التذكارية والوثائق التي توثق أبرز محطات رحلته المهنية، لتشكل سجلًا بصريًا يثري السرد ويمنح القارئ نافذة إضافية على عالم الدبلوماسية المصرية عبر أكثر من ثلاثة عقود من العمل والعطاء.
لا يقدم كتاب «36 عامًا حول العالم» مجرد سرد زمني لمسيرة وظيفية، بل يطرح تجربة إنسانية ووطنية ثرية تكشف جانبًا مهمًا من تاريخ الدبلوماسية المصرية المعاصرة. فمن خلال هذه المحطات المتعددة، ينجح السفير محمود عزت في توثيق خبرات تراكمت بين الثقافات والشعوب ومراكز صنع القرار، مقدمًا للقارئ شهادة واقعية على دور الدبلوماسي المصري في بناء جسور التواصل والحوار، ومؤكدًا أن العمل الدبلوماسي ليس مجرد تمثيل للدولة في الخارج، بل رسالة معرفية وحضارية وإنسانية تمتد آثارها عبر الأجيال.