Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
فنونمقال رئيس التحريرمميز

 «البكتوجراف».. وسيمفونية التكوين الكوني 

قراءة تحليلية في ثلاثة أعمال للفنان التشكيلي المصري المبدع محمد طوسون

بقلم: الدكتور محمود عزالدين 

🔳 في هذه الأعمال الثلاثة لا يتعامل الفنان المصري القدير محمد طوسون مع اللوحة بوصفها سطحاً للتصوير، بل بوصفها فضاءً لتوليد المعنى، من خلال الحركة واللون والعلاقة بين الكتلة والفراغ.. وهنا تتجلى خصوصية مدرسة البكتوجراف التي أسسها، حيث تتحول العناصر البصرية إلى طاقات متفاعلة، تتجاوز حدود الشكل المباشر، لتؤسس عالماً قائماً على الإيقاع والتدفق والتحول المستمر.

💠💠💠💠

● رؤيةتحليليةبقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين 

💠💠💠💠

(1)- في الأعمال الثلاثة تتكرر بؤرة ضوئية ساطعة تحتل مركز المشهد أو أحد محاوره الأساسية، وكأن الفنان يضع المتلقي أمام لحظة ميلاد مستمرة للكون. ونلاحظ أن هذه البؤرة ليست مجرد مصدر للضوء، بل نقطة انطلاق للحركة البصرية كلها؛ فالدوائر المتراكبة والخطوط المتشعبة لا تنبثق من فراغ، بل من مركز إشعاعي يذكرنا بمفهوم الطاقة الأولى التي تتولد عنها الأشكال كافة.. ومن هنا تصبح اللوحة أقرب إلى خريطة ديناميكية للوجود، حيث تتولد الكائنات والأفكار والحركات من نواة ضوئية واحدة.

(2)- أحد أهم ملامح هذه الأعمال أن الخط لم يعد أداة رسم، بل أصبح كائناً مستقلاً يمتلك إرادته الخاصة.

فالخطوط الملتوية والمتشابكة تتقدم وتتراجع، تلتف حول نفسها ثم تنطلق مجدداً في مسارات غير متوقعة. إنها لا تحدد الأشكال بقدر ما تصنعها أثناء الحركة.

– هذا التوظيف يمنح العمل إحساساً زمنياً نادراً؛ فالمتلقي لا يرى الشكل مكتملاً، بل يشعر بأنه يتكون أمامه لحظة بلحظة، وكأن الفنان يسجل عملية الخلق نفسها بدلاً من نتيجتها النهائية.

(3)- تقوم هذه الأعمال على مفارقة لافتة؛ فبرغم اعتمادها على عناصر هندسية واضحة مثل الأقواس والدوائر والمسارات الحلزونية، فإنها لا تقدم نظاماً مغلقاً أو ثابتاً.

– الشاهد أن الهندسة هنا ليست أداة للانضباط بقدر ما هي وسيلة لإظهار التحول المستمر، فكل دائرة توحي بالحركة، وكل قوس يقود إلى فضاء آخر، وكل محور يفتح احتمالات جديدة للرؤية.

ولهذا تبدو اللوحات وكأنها تنتمي إلى حالة انتقالية دائمة بين النظام والفوضى، بين المركز والأطراف، وبين الشكل ومراحل تشكله.

(4)- يعتمد الفنان القدير/ محمد طوسون على منظومة لونية عالية التوهج، حيث تهيمن الدرجات الذهبية والبرتقالية والحمراء، بينما تتخللها مساحات زرقاء وخضراء وبنفسجية تمنع اللون من الانغلاق داخل طيف واحد.. لكن القيمة الحقيقية للون هنا لا تكمن في جماله فحسب، بل في قدرته على إنتاج الإحساس بالحركة. فالتدرجات المتلاحقة والتجاورات الحادة تجعل اللون يبدو وكأنه يهتز ويتنفس داخل اللوحة، بمعنى أننا لا ننظر إلى اللون بوصفه مادة صامتة، بل بوصفه موجة بصرية تتردد في فضاء العمل.

(5)- لا يمكن اختزال هذه الأعمال في قراءة تجريدية خالصة، لأن الفنان لا يهدف إلى إلغاء المرجع، بل إلى تحريره، فبعض التكوينات توحي بأجنحة، وأخرى تستدعي السلالم أو المدارات أو الكائنات المتحولة، لكنها لا تستقر عند معنى محدد، بل تظل معلقة بين التشخيص والتجريد، وبين المرئي والمتخيل.. وهنا تكمن قوة البكتوجراف؛ إذ تمنح المتلقي حرية المشاركة في بناء الدلالة بدلاً من استهلاكها جاهزة.

🔳 بالإجمال؛ تكشف هذه الأعمال الثلاثة عن مشروع بصري يتجاوز حدود الزخرفة أو التجريد التقليدي، ليؤسس رؤية ترى الكون بوصفه شبكة من الطاقات المتحركة والعلاقات المتغيرة. وفي هذا السياق، ينجح الفنان محمد طوسون في تحويل اللوحة إلى فضاء للتأمل في قوانين التكوين والتحول، حيث يصبح الضوء أصل الحكاية، والحركة جوهرها، واللون موسيقاها الخفية.

إنها خرائط بصرية لرحلة الوجود، من الطاقة إلى الشكل، ومن الشكل إلى المعنى.

الفنان محمد طوسون

الدكتور محمود عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى