Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقال رئيس التحريرمقالاتمميز

عواقب إدارة الأوطان بمنطق «التفاهة» !! 

(1)- صاغ المؤرخ والإداري البريطاني سيريل نورثكوت باركنسون ما يعرف بـ(قانون التفاهة)، ومفاده أن المؤسسات تميل إلى استنزاف معظم وقتها وجهدها في مناقشة القضايا البسيطة والهامشية، بينما تمر القضايا الكبرى والمعقدة مرورا سريعا، لأن الخوض فيها يتطلب معرفة عميقة ومسؤولية أكبر.. وقد دلل على ذلك بمثال لجنة ناقشت تصميم مفاعل نووي في دقائق، ثم أمضت وقتا طويلا في الجدل حول مستودع دراجات صغير !!

(2)- عند إسقاط هذا القانون على مجمل الأوضاع في عدد من البلدان العربية، لا يكون المقصود إصدار حكم عام، أو إنكار وجود تجارب ناجحة، وإنما التنبيه إلى نمط إداري وسياسي يتكرر في غير موضع؛ إذ تنشغل مؤسسات كثيرة بقضايا شكلية وإجراءات بروتوكولية، وخلافات إعلامية، بينما تتراجع ملفات التعليم والبحث العلمي والإنتاج، والعدالة الإدارية والحوكمة الرشيدة، إلى مراتب متأخرة.

(3)- لعل أبرز مظاهر الخلل الإداري تتمثل في تضخم البيروقراطية، وضعف التخطيط الاستراتيجي، وغياب المساءلة الفاعلة، وتقديم الولاء على الكفاءة، وتعدد مراكز القرار، وإهدار الوقت في الاجتماعات واللجان، التي تناقش «الجزئيات» أكثر من مناقشة «القضايا المصيرية».. ويقود ذلك إلى بطء الإنجاز، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وهدر الموارد، وتعطيل فرص التنمية المستدامة.

(4)- وقد تنبّه كبار الفلاسفة والمفكرين إلى خطورة هذا المسلك، وإن اختلفت عصورهم وسياقاتهم. فهذا «أرسطو» رأى أن السياسة غايتها تحقيق الخير العام، لا الانشغال بالجزئيات. وأكد «ابن خلدون» أن فساد الإدارة وغياب الكفاءة من أسباب سقوط الدول.. أما «ماكس فيبر» فاعتبر البيروقراطية الرشيدة أداة لتحقيق الكفاءة، لكنها تتحول إلى عبء، عندما تنفصل عن الكفاءة والمساءلة.. فيما نبه «بيتر دراكر» إلى أن أخطر صور الهدر هي (إنجاز الأشياء غير المهمة بكفاءة)، لأن الكفاءة لا تعوض غياب الأولويات.

(5)- وإذا استمر هذا النمط، فإن مآلاته ستكون أكثر تعقيدا؛ إذ ستتسع الفجوة المعرفية، وتتراجع القدرة التنافسية، وتتزايد هجرة الكفاءات، ويضعف الاستثمار في الإنسان، وهو الثروة الحقيقية لأي أمة.. أما المستقبل، فلن يكون لصالح المجتمعات التي تعجز عن ترتيب أولوياتها في عالم يتسارع فيه التطور العلمي والتقني !!

(6)- في تصوري أن الخروج من هذا المنحدر يبدأ بإعادة الاعتبار للتخطيط العلمي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد الكفاءة معيارا للتكليف، وتقليص البيروقراطية، وتمكين المؤسسات الرقابية، وتعزيز الشفافية، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، ونشر ثقافة اتخاذ القرار، المبني على البيانات لا الانطباعات. كما ينبغي أن تُوجه طاقات الإعلام والرأي العام إلى مناقشة القضايا الاستراتيجية، بدل استهلاك الجهد في السجالات العابرة.

(7)- وختاما أقول إن (قانون باركنسون للتفاهة)، ليس مجرد ملاحظة إدارية، بل هو جرس إنذار لكل مؤسسة وكل دولة؛ فالأمم لا تتراجع بسبب نقص الموارد وحده، بل حين تختل بوصلة الأولويات، وتصبح الهوامش أهم من المتون، والشكليات أسبق من الجوهر !!

💠💠💠💠

□ رؤية تحليلية بقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين

💠💠💠💠

مراجع مختارة:

C. Northcote Parkinson, Parkinson’s Law: The Pursuit of Progress (1958).

Peter F. Drucker, The Effective Executive.

Max Weber, Economy and Society.

ابن خلدون، المقدمة.

Aristotle, Politics.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى