– لوحة «قيوم.. يا قيوم» تختزل الفوضى داخل نظام خفي وتجسد حالة كونية حيث الرؤية عبادة واللون ذبذبات روحية
– في هذه اللوحة لا يرسم الفنان القدير الأستاذ محمد طوسون شكلا، بل يرسم حالة كونية؛ فكل ما يبدو متشظيا في البداية يخضع في العمق لنظام خفي، وكأن الفنان يقول إن الكون، مهما بدا مضطربا، يستند إلى مركز واحد لا يختل، هو القيوم.
– الكتلة البيضاء الهندسية في الخلفية تبدو كأنها بنية العقل، أو معمار الواقع، بينما تنفجر منها الكتلة اللونية العضوية في المقدمة، لتعلن أن الحياة ليست هندسة جامدة، بل طاقة متدفقة لا تتوقف.. و هنا لا يتصارع العقل والخيال، بل يتحاوران، فيولد الإبداع.
– الدائرة المضيئة التي تتوسط التكوين، ليست مجرد عنصر تشكيلي؛ إنها أشبه ببؤرة الوعي أو نواة الوجود، ومنها تتفرع الأشرطة اللونية، كما تتفرع الموجودات من مصدر واحد.. إنها استعارة بصرية للاسم الإلهي«القيوم»؛ القائم بذاته، والمقيم لكل شيء.
– الألوان، لا تؤدي وظيفة زخرفية، وإنما تتحول إلى ذبذبات روحية.. كل لون يمثل احتمالا للحياة، وكل انحناءة تشير إلى حركة لا تعرف السكون، وكأن الزمن نفسه قد ذاب داخل اللون. فلا يوجد خط مستقيم، إلا ليؤكد أن الاستقامة الحقيقية لا تتحقق إلا وسط حركة الكون.
– من أهم أسرار العمل أن «الفراغ» ليس غيابا، بل حضور صامت؛ فاللون الذهبي المسيطر لا يمثل ضوء الشمس فحسب، بل يوحي بالفيض، وبالطاقة التي تمنح الأشياء وجودها واستمرارها، لذلك تبدو اللوحة وكأنها تتحرك رغم ثباتها، وتتوسع رغم حدودها.
– في فلسفة «البكتوجراف» لمؤسسها الفنان محمد طوسون، لا تكون الصورة نهاية المعنى، بل بدايته، فكل عنصر هنا يحمل أكثر من قراءة؛ عين ترى تشريحا للطاقة، وأخرى ترى ولادة الفكرة، وثالثة ترى رحلة الإنسان من المادة إلى الإدراك.
– إن (قيوم .. يا قيوم) ليست لوحة عن اللون، وإنما عن استمرار الوجود؛ وليست احتفاءً بالشكل، وإنما احتفاء بالقوة التي تحفظ الشكل من الانهيار.. إنها عمل يختزل الفوضى داخل نظام خفي، ويحول الجمال إلى وسيلة للتأمل، والتأمل إلى معرفة، والمعرفة إلى يقين بأن وراء كل هذا التنوع وحدة لا تزول.
● وهكذا يؤكد الفنان محمد طوسون، عبر مذهب البكتوجراف، أن الإبداع الحقيقي لا يصف العالم كما نراه، بل يكشف النظام الذي لا نراه، ويجعل من اللوحة فضاءً تتصالح فيه الفلسفة مع الجمال، والعقل مع الروح، واللون مع المطلق.