مقالات
السفر إلى الله!! (بقلم: محمد ناجي المنشاوي- مصر)

بغض النظر عن التاريخ الذي ظهر فيه الزهاد والمتصوفة، فإن الأهم من ذلك الأسباب والدواعي التي أدت إلى ظهور طبقة الزهاد، إذ يرى البعض أن ظهور المتصوفة بدأ مع منتصف الخلافة الأموية وبعد مضي نصف قرن من نشأة تلك الخلافة ذات الملك العضوض والنظام الوراثي لمقاليد الحكم.
وظهرت الجماعات السياسية التي تدعي لنفسها الأحقية في الخلافة إلى جانب فرق الشيعة والخوارج المناهضة للأمويين؛ فلجأت الدولة الأموية إلى اتخاذ عدة سبل لإلهاء الناس عن فساد بعض سياساتها من ناحية، ولإخماد نار الثوار الثائرين عليها هنا وهناك.
وما كان منها إلا أنها غضت الطرف عن بعض المسالك غير الحميدة والتي كانت توارت مع نهاية عصر الخلفاء الراشدين، إذ ظهرت حياة اجتماعية جديدة تعيش فيها طبقات تحيا حياة مترفة شديدة النعومة وغارقة في نعيم الله.
ولكن هذه الطبقات لم تقف عند حد الحلال بل تجاوزته إلى ألوان من الفسق والفجور وعجت قصورالبعض بالجواري والقيان.. وتدريجيا شرعت مظاهر التحلل تعرف طريقها إلى هذه الطبقات وعاد شعر الهجاء المشحون بكل طاقات الجاهلية من سب وقذف وخوض في الأعراض وفخر بالأنساب ومعايرة بالعاهات الجسدية والفقر فيما عرف بشعر النقائض الذي تهالكت عليه الجماهير وكأنه لون من الردة بأسلوب غير مباشر.
وامتدت هذه الطبقات إلى أن بلغت ذروتها أيام العباسيين بصورة أشد خطرا.
وإزاء هذا التراجع الأخلاقي والتخلي عن القيم الإسلامية الرفيعة المقرونة بالتطلع إلى الآخرة فباعت الدنيا لتشتري الآخرة ثم نكثت عهدها ونقضت غزلها ساء ذلك طبقة أخرى من المجتمع تناهض وتكافح هذا النبت الفاسد بمطالبة هؤلاء إلى العودة إلى حب الآخرة، والتعلق بها والتلذذ بحياة الزهد والتقشف والبعد عن التكالب على الدنيا ونعيمها، وضرورة العودةإلي القلب الصافي والضمير النقي والنفس التواقة إلى الآخرة ولقاء الله.
وكان من أعلام هذا الاتجاه الحسن البصري وغيره المئات من المتصوفة والزهاد.. وللأسف الشديد أن هذا الاتجاه الصوفي قد تم تشويهه بزج طبقات الدراويش وأصحاب البدع والخرافات والشعوذة وسط شيوخ الصوفية ومريديهم، وبخاصة في عصور الضعف والانحطاط فكان لكل هذه الطبقات الفاسدة أنصار يدعمونهم وبتشيعون لهم فأفسحوا لهم المجال في ( التكيات) لياكلوا ويشربوا دون عمل وأصبح (التواكل) هو المبدأ السائد لدى هؤلاء!!




