Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
فنونمقالات

النحاتة منى غريب تنحاز للصدق والجمال والهوية المصرية

– كلما تأملت تجربة النحاتة والأكاديمية المصرية الدكتورة منى غريب، ازددت يقينا بأننا أمام فنانة لا تتعامل مع النحت بوصفه حرفة أو مهارة تقنية فحسب، بل باعتباره قدرا وجوديا، ورحلة بحث دائمة عن المعنى.. إنها واحدة من تلك الشخصيات النادرة، التي تبدو أعمالها امتدادا مباشرا لسيرتها الداخلية، لدرجة أنه يصعب الفصل بين الفنانة والإنسانة، وبين الكتلة النحتية ومواقفها الفكرية والوجدانية.

□ رؤية تحليلية بقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين 

💠💠💠💠

– في شخصية منى غريب- أستاذ النحت بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية- أرى مزيجا لافتا من العقل الأكاديمي الصارم، والروح الحالمة المتمردة، وهي مفارقة تكشفها كلمات الآخرين عنها أكثر مما تكشفها سيرتها الذاتية.. فعندما يقال لها: (أنتِ واحدة حقيقية أوي في زمن المزيفين)، أو (أنتِ أعقل مجنونة شوفتها في حياتي)، فإننا نلمح جوهر شخصية تؤمن بالصدق أكثر من إيمانها بالمظاهر، وتفضل المغامرة الفكرية على الاستقرار داخل القوالب الجاهزة.

– هذه الروح نفسها تتجسد في أعمالها النحتية؛ فهي لا تنحت الحجر أو الطين فقط، بل تنحت الأفكار والمشاعر والهواجس الإنسانية.. ولذلك لا تبدو منحوتاتها مجرد أجساد أو أشكال، وإنما كائنات محملة بالأسئلة والرموز والدلالات.

– لعل أكثر ما يلفت النظر في تجربتها هو علاقتها الاستثنائية بالطين، فالفنانة لا تتحدث عن خامة الخزف باعتبارها مادة تشكيل، بل باعتبارها كائنا حيا يدخل معها في علاقة حميمة.. إنها تؤمن أن بصمة الفنان تظل محفوظة داخل الطين، حتى بعد مروره بالنار، وكأن عملية الحرق ليست سوى طقس تطهير، يمنح العمل ميلاده النهائي.

– من هنا يمكن فهم سر انحيازها إلى النحت الخزفي والفخاري، الملون بالصبغات والأكاسيد والبطانات الخزفية، حيث تتكامل عندها مراحل التشكيل والتلوين والحرق، في تجربة إبداعية واحدة؛ فالنحت لديها لا ينتهي عند تشكيل الكتلة، بل يواصل رحلته عبر اللون والنار والسطح والملمس، حتى تصبح القطعة الفنية كيانا متكاملا، يجمع بين قوة النحت، وثراء التصوير.

– أما علاقتها بالحجر والجرانيت والبرونز، فهي علاقة لا تقل عمقا، لكنها تختلف في طبيعتها.. ففي الحجر تظهر شخصية منى غريب المقاتلة القادرة على مواجهة الصلابة والتحدي، بينما يكشف الطين عن جانبها الحميم والوجداني، ولهذا تبدو تجربتها وكأنها تتحرك بين قطبين: صلابة الجرانيت، ورهافة الطين، بين القوة والحنان، بين الثبات والتحول.

– من يتابع أعمال الدكتورة Mona Gharib يدرك سريعا أن الهوية المصرية ليست موضوعا عابرا في مشروعها الفني، بل هي العمود الفقري لهذا المشروع، فالفنانة تعلن بوضوح أنها امتداد للمصريين القدماء، وأن مسؤولية الحفاظ على الهوية الحضارية تقع على عاتق الفنان المعاصر.. غير أنها لا تستدعي التراث باعتباره أثرا جامدا أو حنينا للماضي، وإنما تعيد إنتاجه بلغة تشكيلية معاصرة.

– كما أن حضور المرأة في أعمالها ليس حضورا زخرفيا أو جماليا فقط، بل حضور إنساني وفلسفي واجتماعي؛ فالمرأة عند منى غريب ليست موضوعا للنحت، وإنما قضية ورمز ومرآة للمجتمع كله.. ولذلك جاءت أعمال مثل (ملكة بطوق العبيد)، و(المظلومة)، لتكشف انحيازها الواضح للمرأة في مواجهة القهر والاستغلال والعنف، دون أن تقع في الشعاراتية أو المباشرة.

– أعتقد أن أحد مفاتيح فهم شخصيتها الفنية، يكمن في اعترافها بأن كثيرا من أفكارها تأتيها عبر (الأحلام)؛ فالفنانة تعيش حالة دائمة من الحوار بين الواقع والخيال، بين الوعي واللاوعي.. ولذلك تبدو منحوتاتها وكأنها خرجت من منطقة وسطى بين الحلم واليقظة، حيث تتحول الأفكار المجردة إلى أجساد، وتتحول المشاعر إلى كتل نابضة بالحياة.

– لاحظت أنها عندما تقدم عملا مثل «الملكة» بخامة التراكوتا الملونة بالأكاسيد الخزفية، فإنها لا تستنسخ صورة مصرية قديمة، بل تعيد اكتشافها من خلال رؤيتها الخاصة.. وهنا تكمن قيمة تجربتها؛ فهي لا تقلد القدماء، بل تتحاور معهم.

■ في معرضها الجديد «عناق وتخلي» تتضح هذه الرؤية بأوضح صورها، فالعناق هنا ليس مجرد فعل إنساني بين شخصين، بل رمز للاحتواء والبحث عن الأمان والانتماء.. أما التخلي فهو لحظة انكشاف الروح أمام ذاتها وأمام الآخر.. و«التخلية» تعني تفريغ القلب وتطهيره من الأمراض القلبية (الكبر، الحقد، الحسد) والتعلق المفرط بالدنيا أو الأشياء.. وبين العناق والتخلي، تنسج الفنانة حوارا بصريا ثريا حول الحب والغياب والاقتراب والافتراق، وحول العلاقة الأزلية بين الجسد والروح، وبين الكتلة والفراغ.

– في اعتقادي أن الدكتورة منى غريب نموذج للفنانة المصرية التي نجحت في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الحس الأكاديمي والحرية الإبداعية، وبين المحلية والامتداد العالمي، الذي تجسد في انضمامها إلى الأكاديمية الدولية للخزف بسويسرا. وهي في تقديري ليست مجرد نحاتة بارعة، بل صاحبة مشروع فني وفكري متكامل، يؤمن بأن الفن الحقيقي لا تتم صناعته من أجل الشهرة، وإنما من أجل الحقيقة.

– لهذا تبدو منحوتات منى غريب (مهما اختلفت خاماتها بين الطين والحجر والجرانيت والبرونز) وكأنها تحمل الرسالة نفسها؛ أن الفن الصادق قادر دائما على منح الروح شكلا، ومنح المادة حياة، وتحويل الكتلة الصامتة إلى لغة تنبض بالحب والهوية الإنسانية.

■ في النهاية، أرى أن الدكتورة منى غريب ليست مجرد نحاتة تمتلك مهارة تطويع الطين والحجر، بل فنانة تحمل مشروعا إنسانيا وحضاريا متكاملا، تنحاز فيه للصدق والجمال والهوية المصرية.. إنها باختصار من تلك القامات الإبداعية، التي لا تكتفي بصناعة التماثيل، بل تصنع من الكتلة خطابا بصريا حيا، ومن الفن شهادة دائمة على قدرة الإنسان على تحويل المادة إلى روح، والذاكرة إلى مستقبل.

النحاتة د. منى غريب

رؤية تحليلية بقلم:

الدكتور محمود عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى