كتبت – شادية السيد:
في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتتغلغل الأجهزة الذكية في تفاصيل الحياة اليومية، تتزايد الحاجة إلى إعادة الاعتبار لدور الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى لتكوين شخصية الإنسان. ومن هذا المنطلق، أطلق الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، تحذيرا واضحا من تحول الهواتف والأجهزة اللوحية إلى بديل عن التربية والاحتواء الأسري، مؤكدا أن ترك الأطفال لساعات طويلة أمام الشاشات يهدد بتكوين جيل يعاني العزلة وضعف التواصل الإنساني.
وخلال افتتاح مؤتمر «الأسرة المصرية والتماسك المجتمعي في ظل التغيرات المعاصرة»، الذي نظمته الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، أكد الأزهري أن الأسرة هي المؤسسة الأولى في بناء الإنسان، قبل المدرسة والمسجد والكنيسة والإعلام، مشيرًا إلى أن الشارع والسلوك العام يمثلان أيضا بيئة مؤثرة في تشكيل الوعي والقيم.
وأوضح أن التحديات التي تواجه الأسرة اليوم لم تعد تقتصر على الجوانب الاقتصادية أو الاجتماعية، بل امتدت إلى التأثيرات العميقة للثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، الذي تحول إلى صناعة استراتيجية تستثمر فيها الدول مئات المليارات، الأمر الذي يفرض إعداد الإنسان فكريًا وأخلاقيًا للتعامل مع هذه التحولات.
ولفت وزير الأوقاف إلى أن بعض الأسر تلجأ إلى إشغال أطفالها بالأجهزة الذكية لساعات طويلة باعتبارها وسيلة للتهدئة أو التسلية، إلا أن هذا السلوك قد يقود إلى الإدمان الرقمي، ويضعف الروابط الأسرية، ويخلق فجوة نفسية واجتماعية بين الطفل وأسرته ومحيطه، بما ينعكس سلبًا على نموه الفكري والسلوكي.
وأكد أن حماية الأسرة لا تتحقق إلا بتكامل الأدوار بين المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والمجتمع المدني، مشيرًا إلى أن مبادرات وزارة الأوقاف، مثل «صحح مفاهيمك»، وخطب الجمعة التي تتناول القيم والسلوكيات الإيجابية، تأتي في إطار بناء وعي مجتمعي قادر على مواجهة التحديات الجديدة.
وقد عكس المؤتمر توافقا وطنيا واسعا حول مركزية الأسرة في حماية المجتمع؛ إذ شدد الدكتور القس أندريه زكي على أن الأسرة هي المدرسة الأولى للانتماء والمسؤولية واحترام الآخر، بينما أكدت المستشارة أمل عمار أن الأسرة تمثل الحصن الأول في مواجهة التطرف والعنف، ورأى السفير علاء يوسف أن قوة الدولة تبدأ من قوة الأسرة وتماسكها.
وتبقى الرسالة الأهم أن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لا يمكن أن تكون بديلًا عن دفء الأسرة، ولا عن الحوار، ولا عن التربية القائمة على القيم والاحتواء. فبناء الإنسان يبدأ من البيت، وكل دقيقة يقضيها الآباء مع أبنائهم في الحديث والتوجيه والمحبة، هي استثمار حقيقي في مستقبل الأسرة والوطن.