– حسن هيكل يعيد إنتاج الفكرة ذاتها بصياغات مختلفة وكأن المشكلة في طريقة فهم الناس لا في طبيعة الرسالة نفسها !!
بقلم/ الدكتور محمود عزالدين
[1]- أعاد رجل الأعمال حسن هيكل، في رده على بيان مجلس الوزراء بشأن مقترحه لمقايضة بعض أصول الدولة بالمديونية المحلية، التأكيد على أنه لا يتحدث بصفته مستشارا لرئيس الوزراء، وأن ما يطرحه مجرد اجتهاد شخصي يبحث عن (حلول مختلفة وغير تقليدية)، لكن اللافت أن الرد لم يحمل مراجعة حقيقية لجوهر الطرح الذي أثار الجدل، بل جاء ليعيد إنتاج الفكرة ذاتها بصياغات مختلفة، وكأن المشكلة كانت في طريقة فهم الناس، لا في طبيعة الرسالة نفسها !!
[2]- هيكل يكرر أن الحلول التقليدية لم تحقق نتائج، وأن تكلفة خدمة الدين تلتهم معظم الموازنة، ثم ينتقل إلى الدفاع عن فكرة نقل ملكية بعض الأصول العامة إلى البنك المركزي، أو استخدام آليات المقايضة، باعتبارها بدائل تستحق النقاش.. غير أن المشكلة لا تكمن في مجرد البحث عن أدوات جديدة، بل في المنطق الذي يحكم هذه الطروحات، والذي يبدو مستعدا للتعامل مع أصول الدولة باعتبارها أول مخزن يمكن اللجوء إليه، كلما تعقدت الأزمة المالية.
[3]- الأكثر دلالة أن هيكل استشهد بتجربة ماسبيرو باعتبارها دليلا على أن الحكومة نفسها استخدمت فكرة المقايضة من قبل، وكأن وجود سابقة لتطبيق سياسة ما يمنحها تلقائيا صفة الصواب، أو يجعلها قابلة للتعميم على ملفات أكثر حساسية، مع العلم أن السياسات الاقتصادية لا تقاس بوجود سوابق، وإنما بملاءمتها وآثارها وتكلفتها على المدى الطويل، خاصة عندما يتعلق الأمر بأصول تمثل ثروة عامة للأجيال القادمة.
[4]- أما دفاعه عن نقل بعض الأصول إلى البنك المركزي انطلاقا من أن المؤسسة مؤتمنة على أكثر من 50 مليار دولار من الاحتياطي النقدي، فهو يخلط بين الثقة في مؤسسة وطنية، وبين طبيعة الأدوار الدستورية والاقتصادية لكل جهة، فإدارة الاحتياطي النقدي تختلف جوهريا عن امتلاك وإدارة أصول الدولة، وليس كل ما يمكن الوثوق في إدارته، يصبح من الطبيعي نقله إلى جهة واحدة تحت شعار الكفاءة أو حسن الإدارة !!
[5]- اللافت أيضا أن هيكل، وهو يدعو إلى (حلول غير تقليدية)، يعيد استخدام الخطاب نفسه، الذي سبق أن أثار انتقادات واسعة عندما قدم خياراته باعتبارها الطريق الوحيد تقريبا للخروج من الأزمة.. والشاهد أن التأكيد المستمر على أن البدائل القائمة فشلت لا يعفي أي صاحب طرح من تقديم رؤية متكاملة، توازن بين الإصلاح المالي، والحفاظ على الأصول العامة، ولا يمنحه حق تصوير كل اعتراض باعتباره انحيازا للجمود أو رفضا للتغيير.
[6]- لقد كان بيان مجلس الوزراء مهما لأنه حسم بوضوح أن هذه المقترحات تعبر عن رأي شخصي، لا عن توجه رسمي للدولة.. وهذا التوضيح يظل ضروريا، ليس فقط للفصل بين الاجتهاد الفردي والسياسة العامة، وإنما أيضا لحماية النقاش الاقتصادي من التحول إلى معادلة، تختزل الإصلاح في التصرف في الأصول، كلما اشتدت الضغوط المالية.
[7]- إن مصر تحتاج بالفعل إلى أفكار جديدة، لكن الجِدة ليست قيمة في حد ذاتها، وإنما في قدرتها على تحقيق الإصلاح دون المساس بحقوق الأجيال القادمة، أو تقديم حلول تبدو سهلة في ظاهرها، بينما تنقل أعباء الحاضر إلى المستقبل.. وبيت القصيد أن المشكلة ليست في أن حسن هيكل غير صياغة دفاعه، بل في أن الفكرة التي يدافع عنها ما زالت تدور في الفلك نفسه، وتستدعي الأسئلة والاعتراضات ذاتها !!
💠💠💠💠
□ رؤية تحليلية بقلم:
د.محمود عبد الكريم عزالدين