بقلم / نوشي شلباية
أحيانا لا تكون المشكلة في أن قلبك طيب، وإنما في أنك منحت طيبتك لمن لا يستحقها، وفتحت أبوابك لمن كان ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليدخل منها إلى حياتك ثم يطعنك من الداخل!
لا أحد يقول لك: لا تثق بأحد، فالحياة بلا ثقة جحيم، ولكن إياك أن تمنح إنسانا ثقة كاملة لمجرد أنه أتقن دور الوفي، أو أكثر من الحديث عن الأخلاق، أو أقسم لك ألف مرة أنه لن يخذلك.
إن أسوأ الخائنين ليسوا أولئك الذين تعرف أنهم سيئون، وإنما أولئك الذين يبالغون في تقديم أنفسهم باعتبارهم ملائكة! يقتربون منك بهدوء، يستمعون إلى أسرارك، يعرفون نقاط ضعفك، يطمئنونك بكلمات الوفاء، حتى تسقط كل أسوار الحذر من حولهم.. ثم يأتي اليوم الذي تكتشف فيه أن أكثر شخص ائتمنته على نفسك كان أكثر شخص قادرا على إيذائك.
والأكثر إيلاما أن الخيانة لا تأتي دائما في صورة موقف صريح؛ أحيانا تبدأ بتغير بسيط، أو كلمة جارحة، أو موقف يتكرر، أو اهتمام يقل فجأة، أو سر يخرج من المكان الذي ظننته أكثر الأماكن أمنا.
لكننا كثيرا ما نرفض رؤية الحقيقة، لأننا لا نريد أن نصدق أن الشخص الذي أحببناه ووثقنا به ليس هو الشخص الذي تخيلناه.
وهنا تأتي الإشارات.
قد يمنحك الله من التنبيهات ما يكفي لإنقاذك، لكنك تتجاهلها لأن قلبك يريد أن يصدق، بينما الواقع يقول شيئا آخر. وحين تتكرر الإشارات لا تكن أعمى باسم الوفاء، ولا غبيا باسم حسن الظن.
حسن الظن فضيلة، لكن سوء تقدير الناس خطيئة في حق نفسك.
لا تعط أحدا كل أسرارك، ولا تضع كرامتك في يد أحد، ولا تجعل شخصا واحدا هو عالمك كله؛ لأن الإنسان يتغير، والمواقف تكشف، والمصالح تسقط الأقنعة.
واعلم أن الثقة ليست شيكا على بياض، وأن طول المعرفة لا يعني بالضرورة عمق الوفاء، وأن من يطالبك دائما بأن تثق به قد يكون في حاجة إلى إثبات شيء لا تثبته الكلمات.
ثق بمن أثبتته المواقف، لا بمن أتقنته الكلمات.. وأحب الناس، ولكن اترك لعقلك نافذة مفتوحة، فالذين يستحقون ثقتك حقا لن يطلبوا منك أن تغلق عينيك عن أخطائهم، ولن يغضبوا لأنك تملك عقلا يراقب وقلبا يتأمل.
وفي النهاية.. لا تخف من أن تخسر شخصا خان ثقتك؛ خف فقط من أن تخسر نفسك وأنت تحاول تبرير خيانته، فالخيانة لا تؤلم لأن الخائن كان قويا، وإنما تؤلم لأننا كنا قد منحناه من الأمان ما جعله يعرف تماما أين يوجه الطعنة.