مقالات

 أنين الذكريات!! (بقلم: إسماعيل محمد- مصر)

كان حلول الشتاء في السابق يمثل حلول السعادة المطلقة، كنا نسرع في افتكاك مكان قريب من العائلة، بجانب النار التي تحتضن إبريقا من الشاي، وذلك لنحظى ببعض الخرافات و القصص التي لم نكملها يوما، بل نطالب الأم بأن تخبرنا بها، فننام مجددا دون أن ننهيها. كنا نرفض أوامر الأباء الحاثة على النوم لأن الغد يوم دراسة، والدراسة هي الشئ الوحيد الذي سينقذنا من مطبات الزمن، والذي سيعيد للعائلة مجدها المفقود.

كان المحظوظ فينا هو من يضع رأسه على (حِجر) الأم ، فيحظى أيضا بدلك شعره بأصابعها الغليظة، بعد أن تغطيه بلحاف كبير صنعته منذ فتوتها،  لم يكن هناك شئ اسمه تلفاز، ولا فيسبوك، و لا ألعاب فيديو، بل قليل من القصص الشتوية وما تيسر من كرة القدم كل عشية.

كانت الأيام تمر دون متاعب، لأننا لا نشعر بالمتاعب، فقط بالمرح والفرح، تاركين المتاعب لقلوب الأباء الذين طالما قالوا لنا: “ستكبرون و ستعلمون أن الحياة محمية ذئاب كبيرة، ذئاب من كل فصيلة، لن تستطيعوا العيش فيها إلا إذا صرتم ذئابا، وذئابا من أنقى الفصائل”.

لم نكن نفهم العبارات، بل كنا نظن أنها مجرد توصيات مخيفة لنبذل جهدا كبيرا في الدراسة، وأن الناس طيبون ورائعون. كنا نستيقظ في الصباحات الشتوية وقد تسرب الشاي خارج أفواهنا، وامتلأت أعيننا بالدموع المتجمدة، ونسينا إنجاز التمارين.

لقد اقترف الزمن في حقنا خطآ كبيرا، التقدم في السن، بعد أن كنا يانعين، مثل آلة دون برمجة. صرنا كائنات مسعورة، غير مروضة، ننسى ونتناسى ونكذب ونماطل ونبغض ونكره، لم نصبح مثل الآلات، بل صرنا آلات فقدت السيطرة على نفسها، فدمرت بعضها و دمرت منازلها و أوطانها والعالم، ثم الكواكب.

 ننام كل مساء بعد صراع مع هذا الحاضر الإسمنتي، نتأمل الفلك باحثين عن الأحلام المزعومة، ندغدغ ذاكرتنا علها تقطر أيام الطفولة، التي أصبحت واقعا يقيم في الليل، وينبثق عند انطفاء كل الأنوار، وكل مصادر الضوء.

لم يعد هناك (حِجر) الأم، و لا الشاي ولا حكايات الأبطال الذين أقاموا أساطير غرامية، للظفر بحبيبة لا تطالها إلا يد واحدة.

هو كلام فضفاض لا معنى له، لكن اللامعنى هو معنى بالنسبة للكثيرين، وخاصة العدميين منهم، الذين اشتاقوا لليالي الشتاء الحلوة، التي لا تنتهي ولا تشوبها متاعب، عبثيون في محمية الذئاب دون أن ندري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى