Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

ليلة في حب الراحل “الجزار” بالمركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة

"الفن يبقى والجسد يرحل"

كتب ـ سيد حاج:

 

احتضن المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة ، حفل إحياء الذكرى الأولى لرحيل الفنان السوداني محمد فيصل الجزار يوم الأحد 10 مايو 2026. لم يكن الحفل مجرد تأبين، بل كان تظاهرة حب واحتفاء بتجربة فنية قصيرة في عمرها الزمنى، لكنها عميقة في أثرها الموسيقي والإنساني.

جاءت المبادرة من الفنان التشكيلي والموسيقار صلاح أبو الريش، الذي يُعد الأب الروحي للفنان الراحل بهدف إكمال مشروعه الفني. وخطت الإعلامية السودانية تسنيم رابح بصمتها بتقديم الحفل الذي شهد عرضاً لمجموعة من اللوحات الفنية التشكيلية.

وقد توافد المئات من محبي “الجزار” إلى باحة المركز الثقافي الفرنسي، الذي تحول إلى ساحة سودانية خالصة. افتتح الحفل بكلمات مؤثرة من رفقاء دربه، الذين ذكروا فيها خصال الراحل، واصفينه بأنه “صوت المقاومة والحياة”، كجسر يربط بين الموسيقى السودانية الحديثة وتطلعات الشباب.

تضمن الحفل أداءً حياً لمختارات من أغاني الجزار بمشاركة نخبة من الفنانين: فقد شاركت من مصر الفنانة سوزان مختار، التي حرصت على الحضور تكريماً لإرثه الفني. ومن السودان: شاركت الفنانة سامية الهندي (التي رافقته في حفلات عدة قبل وفاته)، إلى جانب الفنانين: إنصاف فتحي، وليد الدقيل، ويوسف محمد چو، وسارة إبراهيم، ومحمد أمير، وعلي خليل.

المايسترو “الجزار”: سيرة ورحلة للخلود

فنان وموسيقي سوداني شاب، اشتهر بلقب “المايسترو” في الأوساط الفنية الشبابية بالسودان. لُمع اسمه في مطلع الألفية الثانية وحقق شعبية واسعة عبر تحديث التراث الموسيقي السوداني، قبل أن يتوفى في مايو 2025 إثر علة صحية لم تمهله طويلاً.

لا يُذكر اسمه كفنان عابر في تاريخ الأغنية السودانية، بل يُذكر كظاهرة فنية واجتماعية صاغت وجدان جيلٍ بأكمله، زاوج بين صلابة الموقف ورقة اللحن، واستطاع خلال مسيرته الفنية أن يبقى في الذاكرة.

الميلاد والنشأة

ولد الجزار بولاية القضارف شرقي السودان، في بيئة أصيلة فنية وثقافية. ومنذ نعومة أظفاره، أظهر شغفاً بالموسيقى، بل كان يبحث في فلسفة الصوت. هذا الفضول المبكر قاده لتعلم العزف على آلة “الجيتار”، التي أصبحت امتداداً لجسده وصوته على المسرح، وكان ماهراً في العزف على الآلات الموسيقية الوترية والشرقية والغربية والتى انعكست على مهاراته الموسيقية في العزف المتنوع الذى تعلمه بمبادرة شخصية على أنواع مختلفة من الآلات الشرقية والغربية في بداياته.

لُقب بـ “المايسترو” لقدرته العالية على إدارة الفرقة الموسيقية، وتوظيف الآلات بشكل متوازن ودقيق . كما درس هندسة الصوت والتوزيع الموسيقي في مصر، وكان يمتلك رؤية خاصة في دمج الآلات والمؤثرات الصوتية الحديثة مع اللحن السوداني التقليدي.

مسيرته الفنية

دخل الجزار الساحة الفنية برؤية مختلفة في الوقت الذى كانت فيه الأغنية السودانية تميل للنمطية التقليدية، حيث تمتع بروح “الأفرو-بيت” وموسيقى “الريجي”، ليدمجها داخل “السلم الخماسي” السوداني ، وجاءت فرصته عام 2000 من خلال التعاون مع فنانين محليين بارزين مثل مجاهد عثمان ومنتصر الهلالية، وتميز أسلوبه بتجديد الأغنية السودانية ومزج الألحان التراثية بالقوالب الحديثة. وترك خلفه مكتبة غنائية، رغم قصر عمره الفني، إلا أنها اتسمت بالعمق الفنى والأداء الرائع، وأصبحت جماهيره تردد أغانيه حتى الآن، ومنها: “رسالة إلى أمي” التي كشفت عن الجانب الإنساني في شخصيته، وأصبح نشيداً لكل المغتربين والباحثين عن الدفء. كما اهتم فى مجال فنه بالأغنيات الوطنية التي وُثقت لنضال الشباب السوداني، وصارت أيقونة في ساحة نضال الأمة.

رحيله المفاجئ

هزّ الأوساط الفنية في السودان وخارجه، رحيل الفنان الجزار عن عالمنا، تاركاً فراغاً لا يملؤه سوى صدى تسجيلاته. فلم يكن رحيله مجرد غياب لفنان، بل كان خسارة لمشروع موسيقي كان يطمح لنقل الفن السوداني إلى آفاق كونية. مؤكدة أن المبدع الحقيقي لا يغادرنا، بل يستوطن الذاكرة عبر فنه الأصيل. ورحل الجزار منذ عام، وصدى أوتاره في القاهرة أثبت أن الفنانين الحقيقيين يمتلكون قدرة على النسيان، وأن ذكراهم تظل تقطع حبال الغياب لتصل بقلوب محبيهم إلى مرافئ الخلود.

القاهرة.. تحتضن الثقافة السودانية

يأتي اختيار المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة لاستضافة هذه الفعالية تأكيداً على الدور الثقافي الذي تلعبه العاصمة المصرية كملتقى للإبداع السوداني. فقد وفر المركز مساحة فنية راقية تليق بحجم المبدع الراحل، مما أتاح فرصة لدمج الجمهور المصري مع إرث الجزار الفني.

اتسمت أجواء الحفل بمزيج من الحزن على الفقد، والفخر بما تركه من إرث فني. وقد أكد الحاضرون أن إحياء الذكرى الأولى في القاهرة، كانت محطة مهمة في حياة الجزار، فهى رسالة وفاء لفنان لم يكف يوماً عن الحلم بوطن يسوده الفن الموسيقى.

إرثٌ عابر للحدود

اليوم، وبعد مرور عام على رحيله، ما يزال “الجزار” حياً في كل حفل يُقام لذكراه، وفي كل مرة يداعب فيها شابٌ أوتار جيتاره في شوارع الخرطوم أو أزقة القاهرة. إن سيرة محمد فيصل الجزار هي سيرة الإخلاص للفن، والقدرة على تحويل الألم إلى نغم، ليظل دائماً “الجزار” الذي يقطع بجماله حبال النسيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى