Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
فنونمقال رئيس التحريرمميز

الفنان هيثم زين الدين وسبعة أرواح لإعادة تشكيل العالم!! 

■ في زمن يزداد فيه الواقع صلابة وضجيجا، يختار الفنان التشكيلي هيثم زين الدين أن يعيد اختراعه من جديد، ففي معرضه «7 أرواح»، الذي يفتتح مساء بعد غد السبت بوسط القاهرة، لا يتعامل الفنان مع اللوحة بوصفها مساحة جاهزة لاستقبال الأشكال، بل باعتبارها كونا خاما لم يولد بعد؛ عالما أبيض خاليا من المعنى، ينتظر أن تمنحه المخيلة نبضه الأول.

🟩🟩🟩🟩

□ رؤية تحليلية بقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين 

🟩🟩🟩🟩

(1)- تنبع أهمية تجربة هيثم زين الدين من أنها تنتمي إلى ما يمكن تسميته في النقد الفني المعاصر بـ«إعادة تشكيل الواقع» (Reconstruction of Reality)، وهي مقاربة لا تهدف إلى نسخ العالم الخارجي، أو تمثيله بصورة فوتوغرافية، بل إلى إعادة بنائه، وفق ما يترسب في الذاكرة والوجدان والخيال.. فاللوحة عنده ليست مرآة لما يراه، وإنما ترجمة لما يختزنه من صور ذهنية، وانطباعات إنسانية، تراكمت عبر الاحتكاك اليومي بالناس، والأماكن والحكايات.

– من هنا يصبح المسطح الأبيض لحظة فلسفية، قبل أن يكون عنصرا تقنيا.. إنه فضاء فارغ، أو ما يشبه «العدم البصري»، الذي يبدأ الفنان في ملئه بطبقات اللون والخط والإشارة، حتى تتكشف تدريجيا صورة أخرى للواقع؛ صورة لا تستنسخ العالم بل تفسره.

(2)- وفقا لمناهج علم النفس الإدراكي، فإن الإنسان لا يدرك الأشياء كما هي، بل كما يعيد دماغه تنظيمها وتأويلها.. وهذه الفكرة تبدو حاضرة بقوة في أعمال هيثم زين الدين، حيث تتحول الشخصيات والمشاهد إلى كيانات، تتأرجح بين المرئي والمتخيل، وبين الواقعي والرمزي.

(3)- تكشف الأعمال المعروضة عن اهتمام واضح بالإنسان بوصفه مركز التجربة البصرية؛ فالوجوه والأجساد لا تظهر كموضوعات منفصلة، بل كحامل للخبرة الإنسانية، بكل ما فيها من هشاشة وقوة وألم وأمل.. في تصوري أن الفنان هيثم زين لا يرسم الأشخاص، بقدر ما يرسم أثر الحياة عليهم؛ ذلك الأثر الذي لا تلتقطه العين العابرة، بل تلتقطه عين الفنان المنخرطة في تفاصيل البشر.

(4)- من منظور سوسيولوجي، يمكن قراءة المعرض باعتباره محاولة لرصد قدرة الإنسان على التكيف والاستمرار رغم التحولات والضغوط.. وهنا يتجلى معنى عنوان المعرض «7 أرواح»، فالمقصود ليس الرقم في دلالته الحرفية، وإنما تلك الطاقة الكامنة لدى البشر، التي تجعلهم قادرين على النهوض بعد السقوط، ومواصلة الحياة مهما تعقدت الظروف.. إنها الفكرة الشعبية المرتبطة بالقطط، التي يقال إنها تمتلك سبعة أرواح، والتي يستعيرها الفنان ليؤكد أن الإنسان أيضا يمتلك قدرة استثنائية على النجاة وإعادة البدء.

(5)- تبدو هذه الرؤية متسقة مع الطريقة التي يقترب بها هيثم زين الدين Haytham Zein من شخوصه، فهو لا يراقبهم من بعيد، بل يكتشفهم من خلال الاختلاط المباشر بهم، ومن خلال الإصغاء إلى تفاصيلهم اليومية. ولذلك تأتي أعماله مشبعة بطابع إنساني حميم، يجعل المتلقي يشعر أن هذه الوجوه تنتمي إلى عالم يعرفه، وإن كانت قد أعيدت صياغتها بلغة تشكيلية خاصة.

(6)- على المستوى البصري، تكشف الأعمال عن ميل إلى بناء الصورة، عبر علاقات لونية حرة، وتكوينات تتجاوز التسجيل الواقعي؛ فاللون لا يؤدي وظيفة وصفية فقط، بل يصبح عنصرا بنائيا ونفسيا في آن معا.. كذلك تتجاور الكتل والخطوط والإشارات، في نسيج بصري يسمح بتعدد القراءات، بحيث لا يمكن استنفاد اللوحة في معنى واحد، بل تظل مفتوحة على احتمالات التأويل.

(7)- إن تجربة هيثم زين الدين في «7 أرواح» لا تقدم أجوبة جاهزة عن الإنسان والعالم، بل تطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن للفن أن يمنح الحياة فرصة جديدة للظهور؟ والإجابة تأتي عبر اللوحات نفسها؛ فكل عمل يبدأ من فراغ أبيض، وينتهي إلى عالم نابض بالحضور، وكأن الفنان يؤكد أن الخيال ليس هروبا من الواقع، بل وسيلة لإعادة اكتشافه وإعادة بنائه.

■ في هذا المعنى، يصبح المعرض احتفاءً بقدرة الإنسان على الاستمرار، وبقدرة الفن على تحويل الهشاشة إلى جمال، والفراغ إلى معنى، والواقع إلى حياة جديدة تمتلك (مثل القطط في الأسطورة الشعبية) سبعة أرواح لا تنفد!!

□ إعداد وإشراف:

الدكتور محمود عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى