Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقال رئيس التحرير

الزكاة.. الاقتصاد المنسي وحلّ الفقر المؤجل

بقلم/ محمد ناجي المنشاوي

الزكاة هي الفريضة الربانية العظمى، جعلها المولى عز وجل ركنًا من أركان الإسلام، وهي حق معلوم للفقراء، وليست هبة أو عطية من القادرين. ولخطورة مكانتها، حدد القرآن الكريم مصارفها، وبيّنت السنة النبوية الشريفة مقاديرها بوضوح. ومن أجلها اندلعت أشد حروب الإسلام ضراوة في سنواته الأولى، وهي حرب مانعي الزكاة.

وظلت الزكاة عبر العصور تُجمع في بيت المال، ثم تُوزع على مستحقيها، حتى اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وترامت أطرافها، فتركها ولاة المسلمين لضمائر القادرين، دون تدخل مباشر من إدارة الولاية. ومع ذلك بقيت الزكاة وعاءً اقتصاديًا حاضرًا في فضاء المجتمعات الإسلامية، سندًا للفقراء والمحتاجين، ومصدرًا مقاومًا للفقر والعوز، وحلًا ربانيًا لمشكلة عجزت النظم الاقتصادية الوضعية عن القضاء عليها.

وحسب الزكاة أنها علاج سماوي ينفي الإيمان عمّن أنكرها أو امتنع عنها؛ فهي قبل كل شيء مطهرة للنفوس الشحيحة، وقاضية على الأثرة والأنانية، ورباط متين من روابط التكافل الاجتماعي.

لكن التقدم الحضاري، وما صاحبه من متغيرات أخلاقية سلبية طاغية، وتغير في نمط العلاقات الاجتماعية، وضعف الوازع الديني نتيجة تشبع المجتمعات بالقيم المادية، جعل المجتمعات الإسلامية تقع في مخالب الفقر والعوز. وهو ما دفع المهتمين بهذا الشأن إلى إعادة النظر في مسألة الزكاة بوصفها الوعاء الأمثل لعلاج تلك المعضلة المزمنة، في ظل ضياع حقوق الفقراء أو إهمالها أو تشتتها.

فهذا الوعاء المالي الرباني لم يعد مقتصرًا ــ بإجماع علماء المسلمين ــ على ما كان معروفًا في العهد النبوي من: الماشية، والزروع، والثمار، والذهب، والفضة، وعروض التجارة، والمعادن، والركاز، بل أضيفت إليه في عصرنا الراهن الأوراق النقدية، والأوراق المالية كالأسهم والسندات، وكذلك المستخرجات من البحر، والإيرادات المكتسبة من العقارات المؤجرة، ونحو ذلك، وهو أمر قد يجهله البعض.

وقد أشار الباحث صفوت محمد نصر، في دراسة له بجامعة الأزهر عام 1998م، إلى أن حصيلة الزكاة في مصر بلغت قرابة 18 مليار جنيه مصري، موضحًا أن هذا الرقم تم احتسابه على الأموال الظاهرة فقط، دون التطرق إلى الأموال الباطنة، التي قد ترفع الحصيلة إلى نحو 30 مليار جنيه.

وهذا الرقم الضخم يدفعنا إلى التساؤل: إذا كانت الزكاة بهذا الحجم، فلماذا لا نلمس تغيرًا حقيقيًا في حياة الفقراء في مصر؟

وأرى أن أول الأسباب يتمثل في غياب صندوق شرعي وقانوني مُلزم لجمع أموال الزكاة وإدارتها في مشروعات استثمارية تتمتع بقدر عالٍ من الأمان، بما يحقق عوائد سنوية ضخمة تُوزع على ذوي الحاجات بعد حصرهم بدقة، بدلًا من ترك الأمر لعشوائية التوزيع أو لاستغلال بعض المتسولين الذين تتفاقم أعدادهم بصورة ملحوظة.

فإذا نجح المجتمع في تنفيذ هذا المشروع، فسيكون ذلك ضربة قاضية لظاهرة التسول، وفي الوقت نفسه ستصل الزكاة إلى مستحقيها الحقيقيين.

وفي دراسة عميقة للباحث الجزائري الدكتور موسى كاسجي بجامعة الأمير عبد القادر، أوضح أن الزكاة وعاء اقتصادي يتميز بالسعة لارتباطه بالمال النامي، وأن تحديد أنصبتها عند مستويات معينة يضمن انسياب حصيلة وفيرة ومتجددة مع بداية كل حول هجري ومع كل حصاد، وهو ما يوفر للتنمية موردًا منتظمًا ومتجددًا على مدار العام.

فالزكاة ــ بحسب الدراسة ــ تجنبنا مخاطر نقص الموارد التمويلية، كما أن إنفاقها في مصارفها الشرعية يزيد من حجم الدخل، ويخلق قوى شرائية جديدة. كما أن تطبيق فريضة الزكاة يجعل الثروة لا تمر إلا عبر قناتين: الأولى رفاه وصلاح المجتمع، والثانية النشاط الاقتصادي الإسلامي الذي لا مجال فيه للاكتناز.

ويدعم ذلك إلغاء سعر الفائدة، بما يجعل الادخار مساويًا للاستثمار، فيتحول كل ادخار إلى استثمار منتج، كما أن استمرارية الزكاة تضمن اكتمال الدورة النقدية، وهو ما يترتب عليه القضاء على البطالة والفقر والتسول، وترسيخ العدالة الاجتماعية.

وقد فرّق العلماء بين الزكاة والضرائب، فهما يختلفان في مصدر التشريع، والعاقبة، والمقدار، والاستمرار. وقد تصدرت فتاوى عدد من كبار العلماء هذا الأمر، ومنهم: محمد متولي الشعراوي، وعبد العزيز بن باز، وعلي الطنطاوي.

ومن هنا، يجب علينا في مصر ــ انطلاقًا من الظروف الاقتصادية الصعبة، والأزمات الاقتصادية العالمية المتلاحقة ــ أن نبادر إلى الأخذ بالنظام الإلزامي في جمع الزكاة، وفق قوانين جادة وصارمة، ونظام دقيق لإدارة هذه الأموال لصالح الفقراء والتنمية الوطنية.

ولا سيما أن هناك دولًا سبقتنا إلى هذا النظام، وقد حقق نجاحًا في بعضها، بينما تعثر في أخرى بسبب ضعف القوانين، وغياب الرقابة، وعدم الجدية، وعدم الاستقرار السياسي، فضلًا عن غياب التهيئة المجتمعية لتقبل هذا النظام.

وأظن أننا قادرون في مصر على إنجاز هذا المشروع بقوة، في ظل ما نمتلكه من استقرار سياسي واجتماعي، ومؤسسات تشريعية قادرة على ضبط القوانين، وترسيخ النظام الإلزامي عبر وسائل الإعلام المختلفة لإقناع المجتمع المصري بأهميته، ولتكون التجربة المصرية رائدة لغيرها من الشعوب الإسلامية.

وكل ذلك ليس بالأمر المستحيل أو الصعب، لكنه يحتاج إلى دراسة واعية وعميقة وشاملة، تشارك فيها جميع أجهزة الدولة المصرية، حتى يصبح هذا النظام صالحًا للتطبيق الفعلي.

ولعل وقتنا الراهن هو الأنسب للبدء بقوة في تفعيل هذا النظام، قبل أن تتفاقم أزمات الفقر والعوز أكثر من ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى