■ ليست أزمة الرسوم القضائية مجرد خلاف بين نقابة المحامين ووزارة العدل، ولا معركة مهنية تخص أصحاب الروب الأسود وحدهم؛ وإنما هي بمثابة اختبار حقيقي لفكرة أعمق؛ هل يظل القضاء حقا دستوريا متاحا للجميع، أم يتحول تدريجيا إلى خدمة يدفع ثمنها من يملك القدرة؟
(1)- هنا تكمن خطورة الجدل حول ما يسمى «مقابل الخدمات المميكنة»، فالنقابة ترى أن بعض هذه الأعباء تجاوز حدود المقابل الفعلي للخدمة، وتتمسك بأن إنشاء أي رسم أو تكليف مالي يجب أن يستند إلى سند تشريعي واضح، بينما تؤكد الجهات القضائية والإدارية أن تحديث منظومة العدالة وميكنتها له تكلفة تشغيلية وفنية، وأن المقابل لا يمثل بالضرورة رسوما قضائية بالمعنى القانوني.
(2)- الحقيقة أن الفيصل هنا ليس البيانات ولا الهتافات، وإنما الدستور والقانون والقضاء، فالمادة 38 من الدستور تقرر مبدأ قانونية الفرائض المالية، وتحظر تكليف أحد بأدائها إلا في حدود القانون، بينما تكفل المادة 97 حق التقاضي وتضع أمام الدولة مسؤولية صون هذا الحق وعدم تحويله إلى امتياز طبقي.
(3)- المحكمة الدستورية العليا أرست مبادئ مهمة في شأن الرسوم والتكاليف العامة، من بينها أن التفويض في تنظيم الرسم لا يعني إطلاق يد السلطة التنفيذية، وأن القانون ينبغي أن يحدد طبيعة الخدمة والضوابط والحدود التي تمنع تحول الرسم إلى وسيلة جباية منفصلة عن خدمة حقيقية.
(4)- هنا يصبح السؤال أكثر سخونة: هل المقابل المدفوع يتناسب فعلا مع الخدمة؟ وهل له سند قانوني كاف؟ وهل تستطيع الإدارة تحديده بقرار تنظيمي وحده، أم أن الأمر يحتاج إلى تدخل تشريعي؟
– هذه أسئلة قانونية لا يجوز حسمها بالشعارات، ولذلك فإن لجوء أصحاب الشأن إلى مجلس الدولة يمثل المسار الطبيعي في دولة القانون.
(5)- في المقابل، لا يصح أيضا تصوير وزارة العدل باعتبارها خصما للمواطن، فالتحول الرقمي ضرورة، وميكنة المحاكم، وتطوير البنية التكنولوجية، وتأمين البيانات وتسريع الإجراءات، كلها أهداف لا خلاف عليها.. لكن الاختلاف الحقيقي يبدأ عند سؤال من يتحمل التكلفة، وبأي مقدار، وبأي سند؟
(6)- إذن، الصورة أكثر تعقيدا من شعار «المحامون ضد وزارة العدل».. المطلوب الآن ليس كسر إرادة طرف لصالح طرف، وإنما الوصول إلى حل قانوني شفاف: حصر الخدمات التي تستحق مقابلا، إعلان تكلفة كل خدمة، تحديد سقوف واضحة، إعفاء أو تخفيض الأعباء عن غير القادرين، وربط أي مقابل بخدمة حقيقية قابلة للقياس.
(7)- إن العدالة لا تخاف من المراجعة، والميكنة لا تحتاج إلى حماية بالشعارات.. نريد محاكم رقمية.. نعم. نريد عدالة أسرع.. بالتأكيد. لكننا لا نريد أن يتحول التطوير إلى فاتورة مفتوحة يدفعها المواطن عند باب المحكمة، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن ترتفع تكلفة الخدمة، وإنما أن يشعر المواطن يوما بأن ثمن الوصول إلى العدالة أصبح أغلى من قدرته على طلبها.
وهنا يجب أن تكون الإجابة واضحة: طوّروا العدالة.. ميكنوها.. لكن لا تجعلوا ثمن التطوير هو ثمن الحق نفسه !!
💠💠💠💠
□ رؤية تحليلية بقلم:
د.محمود عبد الكريم عزالدين