Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقال رئيس التحريرمقالاتملفاتمميز

هل «السرديات» وحدها.. تصنع خرائط الشرق الأوسط!!

بقلم/ دكتور محمود عزالدين

■ هناك فرق كبير بين أن تطرح سؤالا جديدا، وبين أن تقدم إجابة جديدة، وفرق أكبر بين أن تصوغ مصطلحا لافتا، وبين أن تنجح في تحويل هذا المصطلح إلى مفهوم علمي قابل للاختبار والتفنيد.. ومن هنا تأتي قراءتي النقدية لكتاب الدكتور حاتم الجوهري «تدافع السرديات الجيوثقافية في الشرق الأوسط.. الموقف الراهن والممكن العربي»؛ وهي قراءة لا تستهدف صاحب الكتاب، وإنما تختبر أطروحته في ملعبها الحقيقي، وأعني به ملعب المنهج والعلم والقدرة التفسيرية.

– لا خلاف على أن الكتاب يذهب إلى منطقة مهمة في فهم الصراعات المعاصرة، عندما يحاول تجاوز القراءة التقليدية التي تختزل العلاقات الدولية في الدبابات والصواريخ والاقتصاد وموازين القوة، لينظر إلى ما وراء ذلك؛ الهوية، والذاكرة، والتاريخ، والثقافة، والروايات التي تنتجها الدول والمجتمعات عن نفسها وعن الآخرين.

⚫⚫

– هذه نقطة قوة حقيقية.. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا المدخل من عامل من عوامل تفسير الصراع، إلى مفتاح يكاد يفسر الصراع كله.. «السردية» مهمة، لكنها ليست دبابة ولا أنبوب غاز، والسؤال الذي أراه ضروريا هنا: هل يمكن تفسير صراعات الشرق الأوسط من خلال السرديات وحدها؟

بالطبع لا.

– السردية قد تبرر الحرب، وتحشد الجمهور، وتصنع صورة العدو، وتمنح التدخل السياسي غطاءً أخلاقيا أو تاريخيا أو دينيا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفسر لماذا تتحرك دولة في هذا التوقيت تحديدا، ولماذا تختار هذا التحالف، ولماذا تتدخل هنا وتتراجع هناك.

– هناك النفط والغاز.. هناك الموانئ والممرات البحرية.. هناك التجارة والاستثمارات.. هناك السلاح والردع والقواعد العسكرية.. هناك المصالح الاقتصادية وحسابات الأمن القومي.. وهناك المؤسسات والتحالفات الدولية والإقليمية.

فهل يمكن أن نقول إن كل ذلك مجرد انعكاس لسردية ثقافية؟

– إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام تضخيم مفرط لدور السردية. وإذا كان الجواب لا، فقد عدنا إلى السؤال الأهم: ما الوزن الحقيقي الذي تضيفه «السرديات الجيوثقافية»، إلى أدوات التحليل الموجودة أصلا؟

– فقد تستخدم دولة خطابا دينيا أو تاريخيا أو حضاريا لتبرير تحرك سياسي، بينما يكون وراء هذا الخطاب حساب يتعلق بممر تجاري أو مورد طاقة أو نفوذ عسكري أو مصالح اقتصادية، وهنا تصبح السردية أداة تعبئة وشرعنة وتأطير للسياسة، وليست بالضرورة سبب السياسة الوحيد.

■ الملاحظة الثانية أكثر حساسية: ماذا تعني تحديدا عبارة «السرديات الجيوثقافية»؟

– المفهوم، في صورته المطروحة، يبدو واسعا إلى درجة تجعله يلامس مفاهيم مستقرة بالفعل في حقل العلاقات الدولية والدراسات السياسية والثقافية؛ من الجيوبوليتيكا إلى الجيوثقافة، ومن القوة الناعمة إلى الأمن الأنطولوجي، ومن الهوية السياسية إلى تحليل الخطاب.. وهنا لا يكفي أن نقول إننا جمعنا هذه العناصر تحت عنوان جديد.

■ السؤال العلمي الأصعب هو:

ما الذي يضيفه هذا المفهوم ولا تستطيع المفاهيم القائمة أن تفسره؟ هل نحن أمام مفهوم جديد بالفعل؟

أم أمام إعادة ترتيب وتسميات جديدة لأفكار معروفة؟

– هذه ليست مناورة نقدية، بل سؤال تأسيسي لأي مشروع يريد أن يخرج من دائرة المقالة الفكرية إلى فضاء النظرية العلمية،

فالمفهوم العلمي لا يصبح جديدا لمجرد أن له اسما جديدا !!

🔴🔴

■ هناك أيضا مشكلة أخرى لا ينبغي المرور عليها سريعا، وهي الحديث عن «السردية العربية»، أو «السردية الإيرانية» أو غيرها باعتبارها وحدات متماسكة… أي «ذات عربية» نتحدث عنها؟

وهل السردية الرسمية هي نفسها السردية الشعبية؟ وهل خطاب الدولة هو خطاب المجتمع؟ وهل كل العرب يرون العالم من النافذة نفسها؟ والأمر نفسه ينطبق على إيران وتركيا وإثيوبيا وغيرها.

– إن المجتمعات ليست كتلا صماء، والدول ليست عقلا واحدا يتحدث بلسان واحد.. بل إن الصراع داخل الدولة الواحدة قد يكون أحيانا صراعا بين سرديات متعددة، وربما متناقضة.. وهنا يصبح من الضروري أن يجيب الكتاب عن سؤال أكثر تعقيدا:

من ينتج السردية؟ ومن يملك سلطة فرضها؟ ومن يقاومها؟ ومن يستفيد منها؟

🔴🔴

■ المنهج.. أين هو من كل ذلك؟

– ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر إلحاحا في تقييم أي عمل من هذا النوع.. كيف وصل الباحث إلى نتائجه؟

هل اعتمد على تحليل الخطاب؟

هل درس خطابات القادة والبيانات الرسمية ووسائل الإعلام؟

هل استخدم تحليل الوثائق والاستراتيجيات والاتفاقيات والتقارير؟

هل اختبر فرضياته من خلال دراسات حالة محددة؟

هل استخدم المقارنة التاريخية؟

وهل يمكن لباحث آخر أن يعيد تطبيق المنهج نفسه ويصل إلى نتائج متقاربة؟

🔴🔴

هذه الأسئلة ليست ترفا أكاديميا، فالمنهج هو الذي يحول الفكرة من انطباع ذكي، إلى استنتاج علمي قابل للفحص.. أما إذا كانت الحالات التاريخية والسياسية يتم استدعاؤها فقط لإسناد الفكرة بعد وقوع الأحداث، فنحن أمام تفسير بأثر رجعي؛ يستطيع أن يجد لكل حدث سردية مناسبة، لكنه قد يعجز عن تفسير لماذا وقع الحدث أصلا.

– اختبار المفهوم يصبح أكثر صعوبة عندما نضعه أمام حالات شديدة التعقيد مثل غزة وسوريا والسودان وأوكرانيا، أو أمام مبادرات دولية كالحزام والطريق.

– في غزة مثلا، لا يمكن فصل السرديات والهوية والذاكرة عن الصراع، لكن لا يمكن كذلك تجاهل الجغرافيا العسكرية، والأمن، والدعم الدولي، والمصالح الإقليمية، والاقتصاد، وتوازنات القوى.

– وفي السودان لا تكفي السرديات لفهم الصراع إذا أغفلنا بنية الدولة، والسلاح، والموارد، والمصالح الإقليمية والدولية.

– وفي أوكرانيا يصبح من المستحيل علميا أن نفسر المشهد دون وضع القوة العسكرية والجغرافيا والأمن والتحالفات والمصالح الدولية، في قلب التحليل.

إذن، السردية تفسر جانبا من الحقيقة، لكنها لا تمتلك الحقيقة كلها.

🔴🔴

■ أحسب أن قيمة الكتاب الحقيقية لن تتحدد بمدى جاذبية مصطلح «تدافع السرديات الجيوثقافية»، وإنما بقدرته على الصمود أمام الأسئلة الصعبة.

هل يمكن تعريف المفهوم بدقة؟

هل يمكن تحديد متغيراته؟

هل يمكن اختباره؟

هل يمكن أن يفشل؟

وهل يقدم تفسيرا أفضل من المفاهيم الموجودة، أم مجرد تفسير مواز لها؟

🔴🔴

■ إذا استطاع الكتاب الإجابة عن هذه الأسئلة، فنحن أمام محاولة فكرية عربية تستحق التوقف أمامها بجدية، وربما أمام إضافة حقيقية إلى حقل العلاقات الدولية… أما إذا ظل المصطلح إطارا فضفاضا يمكن أن نضع داخله كل شيء، من الدين والتاريخ والهوية إلى السياسة والثقافة والجغرافيا، فإن الخطر أن يتحول المفهوم من أداة تفسير إلى مظلة لغوية واسعة تستوعب أي شيء ولا تختبر شيئا.. وهنا تصبح المشكلة ليست في جرأة الفكرة، وإنما في اتساعها !!

🔴🔴

وأنا أكتب هذه الملاحظات لا أدعي أنني أصدرت حكما نهائيا على الكتاب؛ فالقراءة النقدية الكاملة تقتضي قراءة العمل نفسه بكل فصوله ومراجعة مراجعِه ومنهجه وأدواته وتطبيقاته، وليس الاكتفاء بالعرض المنشور عنه.. لكن من حق القارئ، بل من واجبه، أن يسأل قبل الاحتفاء بأي مفهوم جديد:

هل نحن أمام نظرية أم أطروحة؟

هل نحن أمام اكتشاف أم إعادة تركيب؟

هل نحن أمام مفهوم قابل للاختبار أم عنوان شديد الجاذبية؟

وهذه الأسئلة لا تنتقص من الكتاب، وإنما تمنحه فرصة الدخول إلى النقاش العلمي الحقيقي.

🔴🔴

■ إن الأفكار الكبيرة لا تخشى النقد، والمفاهيم الجادة لا تحتاج إلى حصانة من الأسئلة، والباحث الحقيقي لا يريد من القارئ أن يصفق لفكرته، بل أن يحاول إسقاطها؛ فإذا صمدت، ازدادت قوة.

أما أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع فكري، فهو أن يتحول صاحبه إلى حارس لمصطلحه، بدل أن يترك المصطلح يدخل مختبر النقد.

■ في النهاية، لا أرى أن المعركة مع كتاب حاتم الجوهري هي: هل السرديات مهمة أم لا؟

السرديات مهمة بلا شك.. لكن المعركة العلمية الحقيقية هي:

هل تستطيع السرديات أن تفسر الشرق الأوسط وحدها؟

الإجابة، في تقديري، لا… فالشرق الأوسط لا تحركه الأفكار وحدها، كما لا تحركه الدبابات وحدها.. إنه نتاج تفاعل السردية مع الجغرافيا، والهوية مع المصلحة، والثقافة مع القوة، والتاريخ مع الاقتصاد، والخطاب مع السلاح.

■ من هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام «تدافع السرديات الجيوثقافية»، ليس أن يكون المصطلح جديدا، وإنما أن يثبت أنه ضروري، فالجديد في العلم ليس أن تسمي الأشياء بطريقة مختلفة.. وإنما الجديد حقا أن تجعلنا نراها بطريقة لم نكن نستطيع رؤيتها من قبل.

💠💠💠💠

□ رؤية تحليلية بقلم :

د.محمود عبد الكريم عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى