Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقال رئيس التحريرمقالاتمميز

فكر التمييز والتمكين .. بين حماية الحقوق وصناعة الانقسام!!

لقد أثار مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد حالة واسعة من الجدل المجتمعي والقانوني، بعدما تحول من مجرد نصوص تشريعية- تنظم شؤون الأسرة- إلى ساحة مفتوحة للصراع بين رؤى متباينة حول الحقوق والواجبات، وحدود سلطة الرجل والمرأة، ومفهوم العدالة داخل المؤسسة الأسرية.. فبينما يرى البعض أن القانون الجديد يمثل محاولة جادة لمواكبة التحولات الاجتماعية، وحماية حقوق المرأة والطفل، يعتبره آخرون تكريسا لفكرة «المحاصصة الحقوقية» داخل الأسرة، بحيث تصبح العلاقة الأسرية قائمة على توزيع المكاسب القانونية، لا على التوازن الإنساني والتكامل الاجتماعي.

(1)- تكشف المناقشات الدائرة حول بنود الرؤية الجديدة للقانون عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة التشريع ذاته؛ هل الهدف من قوانين الأحوال الشخصية تحقيق العدالة، بوصفها قيمة أخلاقية واجتماعية شاملة، أم مجرد إعادة توزيع السلطات والامتيازات بين أطراف الأسرة؟ وهنا يبرز التخوف من أن تتحول بعض المواد القانونية إلى أدوات لإدارة الصراع الأسري بدلا من احتوائه، خاصة في ظل تصاعد النزعة الفردية، وتراجع ثقافة التوافق والتراحم داخل المجتمع.

(2)- إن أخطر ما يواجه أي تشريع أسري ليس فقط الجدل حول مواده، بل فقدان الثقة المجتمعية في قدرته على تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين حماية المرأة وصون استقرار الأسرة، وبين مصلحة الطفل والحفاظ على الروابط الإنسانية التي تشكل جوهر الحياة الأسرية.. ومن ثم، فإن النقاش الحقيقي حول مشروع قانون الأحوال الشخصية يجب ألا يقتصر على المكاسب القانونية لهذا الطرف أو ذاك، بل ينبغي أن ينطلق من سؤال أكثر عمقا: كيف نبني قانونا يحقق العدالة، دون أن يزرع الانقسام داخل الأسرة المصرية؟

(3)- عطفا على ما سبق، أستطيع أن أقول إنه في كل مرة نطرح فيها مفهوم «الكوتة» أو المحاصصة بوصفه حلا لتحقيق العدالة الاجتماعية، يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأنه انتصار للمساواة، ورفع الظلم عن الفئات المهمشة، لكن مع التوسع المستمر في هذا الفكر، تتحول القضية من محاولة علاج اختلالات اجتماعية مؤقتة، إلى تأسيس دائم لمنطق الفئوية والانقسام، بحيث يصبح المجتمع مجموعة من «الحصص» المتنافسة، لا وطنا يجمع مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات !!

(4)- بدأت الفكرة في بعض المجتمعات باعتبارها إجراءً استثنائيا ومحدودا زمنيا لدعم فئات عانت من التهميش، غير أنها سرعان ما تحولت إلى ثقافة عامة تمتد إلى البرلمان، والوظائف، والنقابات، والجامعات، بل وحتى إلى بعض مشروعات القوانين التي تتحدث عن «التمكين» لهذا الفريق أو ذاك، باعتباره ممثلا لفئة أو شريحة أو هوية فرعية.

(5)- لا أحد يرفض دعم الفئات التي تحتاج إلى مساندة حقيقية، لكن الفرق كبير بين (الرعاية المؤقتة) و(التمييز الدائم)؛ فالدولة العادلة لا تقسم أبناءها إلى معسكرات متنافسة، وعندما يصبح الانتماء إلى فئة معينة أهم من قيم العدل والمساواة ، فإن المجتمع يخلق شكلا جديدا من التمييز المقنن، قد يبدو إنسانيا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله بذور الانقسام وإضعاف الدولة على المدى البعيد.

(6)- إن خطورة منطق «الكوتة والمحاصصة» لا تكمن فقط في كونه حلا مؤقتا قد يفقد مبرراته بمرور الوقت، بل في تحوله إلى ثقافة دائمة تعيد تعريف المواطنين باعتبارهم ممثلين لفئات متنافسة، لا شركاء في وطن واحد.. ومن هنا، فإن أي مشروع قانون للأحوال الشخصية يجب أن ينطلق من فلسفة بناء الأسرة، لا إدارة الصراع داخلها، وأن يسعى إلى تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات دون انحياز أو تمييز مقنن تحت أي مسمى.

🔳 الخلاصة أن الدول لا تستقر بتغليب طرف على آخر، وإنما تستقر عندما يشعر الجميع أن القانون يحميهم بعدالة مجردة، لا بمعايير المحاصصة، أو حسابات النفوذ الاجتماعي، لأن العدالة حين تفقد حيادها تتحول- ولو بحسن النية- إلى شكل جديد، من أشكال التمييز !!

💠💠💠💠

🔳 بقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى