Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
فنونمقال رئيس التحريرمميز

«عناق وتخلي».. قراءة تحليلية في الأعمال النحتية للفنانة منى غريب 

□ رؤية تحليلية بقلم:

د. محمود عبد الكريم عزالدين

💠💠💠💠

■ في بعض المعارض الفنية لا يكتفي المتلقي بمشاهدة الأعمال، بل يجد نفسه مدفوعا إلى الإصغاء لما تقوله الكتل الصامتة.. وهذا هو الانطباع الأول الذي يرافق الزائر لمعرض «عناق وتخلي» للنحاتة والأكاديمية المصرية الدكتورة منى غريب، أستاذ النحت الخزفي بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، والذي افتُتح مساء الأربعاء بقاعة إيزيس بمركز محمود مختار الثقافي بالقاهرة.

– هنا لا نتعامل مع منحوتات بوصفها أشكالا جمالية فحسب، بل مع عالم بصري متكامل، تتجاور فيه الأسئلة الوجودية مع المشاعر الإنسانية، وتتداخل فيه الذاكرة الحضارية المصرية مع الرؤية المعاصرة، لتقدم الفنانة تجربة ناضجة، تتجاوز حدود الصنعة إلى رحابة التأمل الفكري والوجداني.

– منذ الوهلة الأولى، يلفت النظر الحضور الكثيف للمرأة داخل المعرض، غير أنها ليست المرأة بوصفها موضوعا تشكيليا أو نموذجا جماليا، بل باعتبارها حالة إنسانية ورمزا دلاليا متعدد الطبقات؛ فالوجوه الهادئة المغمضة العينين، والرؤوس المحتضنة داخل أغطية أو تكوينات شبه معمارية، تبدو وكأنها تعيش حوارا داخليا عميقا مع الذات والعالم.

– في إحدى القطع، تتجسد امرأة مغمضة العينين داخل غلاف يحتضنها بحنان، فتبدو الكتلة وكأنها استعارة بصرية لفكرة العناق والحماية والسكينة.. لا شيء صاخب هنا؛ فالفنانة تراهن على قوة الصمت، وعلى الطاقة التعبيرية الكامنة في الانحناءات الرقيقة والخطوط المختزلة.. الوجه ساكن، لكن المشاعر متدفقة، وكأن العمل يدعو المشاهد إلى البحث عما وراء الملامح، لا الاكتفاء بقراءتها.

– وفي إحدى القطع الأكثر دلالة، تظهر شخصية نسائية بعينين معصوبتين، بينما يبرز قلب صغير فوق الجسد.. هنا يتراجع البصر لصالح الإحساس، ويصبح القلب هو مركز الرؤية الحقيقي. إنها مفارقة بصرية شديدة الذكاء؛ فالفنانة لا تقدم عملاً عن العمى، بل عن الرؤية الداخلية، وعن الإنسان الذي يحاول اكتشاف العالم من خلال مشاعره وقيمه، لا من خلال المظاهر وحدها.

– ما يميز هذه الأعمال، أنها تنطلق من بنية شكلية شديدة الاختزال، لكنها غنية بالإيحاءات؛ فمنى غريب لا تغرق في التفاصيل التشريحية، بل تميل إلى التكثيف والتركيز على الجوهر، لذلك تبدو الوجوه أقرب إلى الأيقونات الإنسانية، منها إلى البورتريهات التقليدية، وتتحول الكتل إلى حوامل للمعنى أكثر من كونها مجرد أشكال مجسمة.

– كما تؤدي المعالجات اللونية دورا بالغ الأهمية في بناء التجربة البصرية، فالأكاسيد والبطانات الخزفية تمنح الأسطح ثراءً خاصا، بينما تتجاور الدرجات الترابية مع اللمسات الذهبية والرمادية والزرقاء، في توازن دقيق بين الفخامة والبساطة.. هذه الأسطح ليست مجرد غطاء لوني، بل جزء أصيل من البناء التعبيري للعمل، حيث تبدو آثار النار والحرق، وكأنها سجل بصري لرحلة المادة نحو اكتمالها.

– تكشف الأعمال المعروضة عن فهم عميق للخزف، بوصفه وسيطا تعبيريا قادرا على الجمع بين النحت والتصوير في آن معا؛ فالفنانة لا تتعامل مع الطين باعتباره خامة مطواعة فحسب، بل باعتباره ذاكرة حية تحتفظ بأثر اللمسة الإنسانية، وتمنح العمل بعدا حميميا يصعب العثور عليه في خامات أخرى.

– رغم الطابع المعاصر الواضح لهذه الأعمال، فإن جذورها الحضارية المصرية تظل حاضرة في الخلفية.. هناك شيء من سكون التماثيل المصرية القديمة، ومن نزعتها إلى الاختزال والتركيز على الجوهر، لكن منى غريب لا تستعيد التراث بوصفه نموذجا جاهزا، وإنما تعيد صياغته داخل لغة بصرية حديثة تنتمي إلى زمنها وتطرح أسئلتها الخاصة.

ويبدو عنوان المعرض «عناق وتخلي» مفتاحا مهما لفهم هذه التجربة؛ فالعناق ليس مجرد اقتراب جسدي، بل احتواء روحي وإنساني، بينما التخلي ليس فقدا أو انسحابا، وإنما فعل تحرر وتطهير وانعتاق من الأثقال النفسية والوجدانية.. وبين هذين القطبين تتحرك معظم الأعمال، باحثة عن منطقة التوازن بين الحاجة إلى الآخر والحاجة إلى الذات، بين الامتلاك والتحرر، بين الحضور والغياب.

■ وختاما فإن تجربة الدكتورة منى غريب تؤكد مرة أخرى أننا أمام فنانة تمتلك مشروعا فكريا وجماليا متماسكا، مشروعا ينطلق من الإنسان ويعود إليه، ويستثمر جماليات الخزف والنحت، من أجل التعبير عن قضايا الهوية والروح والذاكرة والمصير.

الدكتور محمود عزالدين  

محلل فني وكاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى