غير مصنف
العنف لا يصنعه الاختلاف.. بل سوء إدارة الاختلاف

رفعت فكري: اختلاف البشر لا ينبغي أن يقود إلى إيذاء بعضهم.. وثقافة السلام تبدأ من الحوار وقبول الآخر
كتبت – شادية يوسف
لم يعد العنف المجتمعي مجرد سلوك عابر يمكن التعامل معه باعتباره مشكلة فردية أو موقفا طارئا، بل أصبح ظاهرة تتطلب قراءة أعمق لجذورها الفكرية والتربوية والاجتماعية، والبحث عن وسائل حقيقية لتحويل الاختلاف من مصدر للصدام إلى مساحة للتفاهم والتكامل.
هذه الرؤية كانت محور لقاء الحوار الذي نظمته لجنة الحوار والعلاقات المسكونية بمجمع ملوي الإنجيلي، برئاسة القس رأفت ناجي فرنسيس، تحت عنوان «العنف المجتمعي: من تشخيص الأسباب إلى بناء ثقافة السلام»، بمشاركة عدد من القيادات الدينية والمجتمعية والمحلية، وممثلين عن بيت العائلة المصرية وإدارة الشباب والرياضة ووزارة الأوقاف، إلى جانب عدد من قسوس وشيوخ مجمع ملوي وشباب الكنائس.
ولعل أهمية اللقاء لم تكن في مجرد تشخيص ظاهرة العنف، وإنما في طرح السؤال الأهم: كيف ننتقل من مواجهة نتائج العنف إلى معالجة أسبابه؟ فالعنف الذي يظهر في الشارع أو المدرسة أو الأسرة غالبا ما تكون له جذور أبعد من لحظة الانفعال، تبدأ من طريقة التربية، ونمط الخطاب، وغياب الحوار، وعدم القدرة على تقبل الآخر المختلف.
وفي هذا السياق، تناول الشيخ طلعت عبد المقصود، من بيت العائلة المصرية بملوي، مفهوم العنف المجتمعي وصوره، بينما استعرض جمال فؤاد، المدير التنفيذي لبيت العائلة، دور المؤسسة في دعم التماسك المجتمعي وترسيخ قيم التعايش والحوار.
كما ناقش حمدي عبد الحميد دور المؤسسات التعليمية في الحد من العنف بين التلاميذ، وأهمية غرس قيم الحوار وقبول الآخر منذ المراحل التعليمية الأولى، فيما تناول الشيخ الحسيني ممدوح، من أوقاف ملوي، أنواع العنف المجتمعي وصوره المختلفة.
وتوقف الشيخ أحمد عبد الله، إمام وخطيب مسجد العرفاني بملوي، أمام قضية العنف داخل الأسرة، باعتبارها نقطة شديدة الحساسية في تكوين الفرد وانعكاس سلوكه على المجتمع، بينما أكد الشيخ نصر الدين، رئيس لجنة الخطاب الديني ببيت العائلة، أهمية استعادة بساطة العلاقات الإنسانية القائمة على التواصل والاحترام، داخل الأسرة وخارجها.
أما الشباب، فكان لهم حضور واضح في النقاش من خلال التأكيد على أهمية احتواء طاقاتهم وتوجيهها نحو المشاركة الإيجابية، وهو ما أشار إليه الدكتور رجب عبد العظيم، مدير إدارة الشباب والرياضة بملوي، مؤكدا أن الشباب ليسوا جزءًا من المشكلة، بل شريك أساسي في صناعة الحل وبناء مجتمع أكثر استقرارا.
وفي كلمته، قدم القس رفعت فكري، رئيس مجلس الحوار والعلاقات المسكونية بسنودس النيل الإنجيلي، قراءة شاملة لأسباب العنف وسبل مواجهته، مؤكدا أن تعزيز دور الأسرة، والتربية على الحوار، ودعم المؤسسات الدينية والتعليمية والشبابية، وإتاحة مساحات آمنة للتعبير والنقاش، تمثل مداخل أساسية للحد من الظاهرة.
لكن الرسالة الأهم التي حملها اللقاء جاءت في التأكيد على حقيقة تبدو بسيطة، لكنها شديدة العمق: الاختلاف بين البشر لا ينبغي أن يقود إلى إيذاء بعضهم البعض.
فالاختلاف سنة من سنن الحياة، والمشكلة ليست في أن نختلف، وإنما في الطريقة التي ندير بها اختلافنا.. وعندما يغيب الحوار، يتحول الاختلاف إلى خصومة، وقد تتحول الخصومة إلى إقصاء، ثم يصبح العنف في بعض الحالات نتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من سوء الفهم والتعصب وغياب الاحترام.
ومن هنا فإن بناء ثقافة السلام لا يبدأ من الشارع فقط، وإنما يبدأ من البيت، ويمر بالمدرسة ودور العبادة ومؤسسات الشباب والإعلام، وكل مساحة يتشكل فيها وعي الإنسان وسلوكه.
وقد شهد اللقاء نقاشا مفتوحا ومداخلات من الحضور، من بينهم القس مدحت سامي من الكنيسة الإنجيلية بملوي، والقس زاهر من كنيسة خزام، تناولت الجوانب العملية المرتبطة بأسباب العنف وسبل التعامل معه داخل الأسرة والمجتمع.
وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأكثر احتياجًا إلى التكرار اليوم هي أن السلام ليس مجرد غياب للعنف، وإنما ثقافة تبدأ باحترام الإنسان، وقبول حقه في الاختلاف، والقدرة على إدارة الخلاف بالحوار بدلًا من تحويله إلى صراع.
وحين نتعلم كيف نختلف دون أن نؤذي بعضنا، نكون قد بدأنا بالفعل أولى خطوات بناء مجتمع أكثر تماسكًا ورحمة واستقرارا.





